الكاردينال فيسكو: البابا لاوُن الرابع عشر سيلمس قلوب الجزائريين

يستعد رئيس أساقفة الجزائر لاستقبال البابا في المحطة الأولى من زيارته الرسولية إلى أفريقيا. لقاءٌ لا يجمعه بكنيسة صغيرة فحسب، بل بشعب مضياف يتوق للقاء هذا “الابن البار للقديس أوغسطينوس”
بخطواته الأولى على أرض الجزائر كأسقف روما، سيعيد البابا لاوُن الرابع عشر ربط الجزائر بتاريخها الطويل؛ ذلك التاريخ الذي يصلها بالإمبراطورية الرومانية وبمعلمها الروحي أوغسطينوس، الذي ولد في منتصف القرن الرابع في “طاغاست” (سوق أهراس الحالية). وإذا كان الجميع ينتظر الحبر الأعظم للقاء الشعب الجزائري بروح الحوار والأخوّة، فإن هذه الزيارة الرسولية تضعه بوضوح ضمن هذا الإرث التاريخي. وفي هذا السياق، يشهد الكاردينال جان بول فيسكو، رئيس أساقفة الجزائر، قائلاً: “إن البابا، وهذا البابا تحديداً، منتظرٌ بشدة”. ويضيف: “كانت هناك تلك اللحظة العظيمة في بداية حبريته حين قال: “أنا ابن للقديس أوغسطينوس”، وقد فُهمت هذه البنوّة الروحية بمعناها المباشر والصادق من قبل الكثير من الجزائريين، وهي علامة جميلة لأنه “بابانا”. وأعتقد أنه في نهاية الرحلة، سيكون حقاً “باباهم”.
إن القديس أوغسطينوس، الذي قاد المطران بريفوست إلى الجزائر مرتين في الماضي عندما كان رئيساً عاماً لرهبنته، محفورٌ في الذاكرة الجماعية للجزائريين. ويذكر المطران فيسكو أنه “في هذا العمق التاريخي، نجد التاريخ المسيحي لشمال أفريقيا الذي امتد حتى قرطاج، وكان مركزاً حيوياً للمسيحية”. وبعيداً عن الذاكرة التاريخية، يذهب البابا أيضاً للقاء كنيسة تمثل “قطيعاً صغيراً”، لكنها شهدت تحولاً عميقاً خلال العقود الثلاثة الماضية منذ استشهاد الطوباويين الـ١٩، ومن بينهم رهبان دير “تبحيرين” السبعة الذين اغتيلوا عام ١٩٩٦ في ذروة “العشرية السوداء”، حين حصد الإرهاب أرواح عشرات الآلاف من الجزائريين. ويؤكد الكاردينال فيسكو: “كنيستنا ستُظهر نفسها كما هي؛ كنيسة متواضعة وأفريقية. وجهٌ تغير كثيراً منذ بداية حرب الاستقلال وحقبة الكاردينال ليون-إتيان دوفال”. ويضيف: “نحن مرسلون إلى الشعب الجزائري المسلم بأغلبيته الساحقة، ومعنا بعض المسيحيين؛ هذا هو شعبنا”. ويرى فيسكو أن عدم مراعاة هذا البعد الأفريقي يعني “إغفال روح هذه الكنيسة”.
تعد الجزائر بوابة لأفريقيا وشرفة مطلة على عالم البحر الأبيض المتوسط، وهي تقع في ملتقى عوالم عدة وانقسامات متعددة. لذا، تأتي هذه الزيارة على خطى البابا فرنسيس، الذي كان شديد التعلق بـ “بحرنا “، البحر الأبيض المتوسط، كحوض مشترك للحضارة والأخوة والحوار. ويوضح الكاردينال فيسكو: “هذا هو جوهر العمل الذي تقوم به الكنيسة في دول حوض المتوسط؛ هذا البحر الذي لم يُخلق ليكون حدوداً، لكنه أصبح كذلك رغماً عن كل شيء، بل وصار مقبرة للكثير من المهاجرين”. ويتابع رئيس أساقفة الجزائر أن هذه الثقافة المتوسطية “تتجاوز الاختلافات الدينية والثقافية، ومن الجيد أن تتم هذه الرحلة الآن”.
تأتي الزيارة أيضاً في وقت تتسع فيه رقعة الحرب في الشرق الأوسط، دون نسيان الصراعات المنسية في القارة الأفريقية. لذا، ستكون كلمات البابا لاوُن الرابع عشر، الذي لا ينفك يتحدث عن السلام “المجرّد من السلاح والذي يجرّد من السلاح” والمستلهم من الله، محط أنظار الجميع في ظل هذه الدوامة القاتلة.
“السلام معكم”؛ هذا هو شعار الزيارة، وهو صدى لأولى كلمات البابا الأمريكي من شرفة بازيليك القديس بطرس في ٨ أيار مايو ٢٠٢٥. وهي ذاتها التحية التي يتبادلها الجزائريون بالعربية: “السلام عليكم”. ويشير المطران فيسكو إلى أنها “تحية رجل سلام آتٍ”، ويتساءل: “في عالم اليوم، أين هم رجال السلام؟”. ويؤمن الأسقف الدومينيكاني بعمق أن “البابا لاوُن هو حامل للسلام في هذا العالم الذي يقترب أكثر فأكثر من حرب شاملة”، معرباً عن أمله في ألا يكون البابا لاوُن الرابع عشر “بابا الحرب العالمية الثالثة”.
وكأسقف لوهران لمدة تسع سنوات قبل تعيينه في الجزائر العاصمة، ينقل الكاردينال فيسكو مشاعر العديد من أصدقائه الجزائريين الذين ينتظرون الحبر الأعظم بامتنان وفضول كبيرين. ويختم قائلاً: “ما يهمهم أكثر من أي شيء هو الشخصية، والنظرات؛ فهذا ما يلمس القلوب. الجزائريون يتأثرون بقلوبهم، وهذه ميزة عظيمة لديهم. ليس لدي أدنى شك في أن من سيشاهدونه، والنظرة التي سيوجهها البابا إليهم وإلى بلدنا، ستلمس قلوبهم، وأنا متأكد من ذلك”.