افتُتحت في العاصمة الكينية نيروبي، يوم الأحد، أعمال الدورة الحادية والعشرين للجمعية العامة لاتحاد مجالس أساقفة شرق أفريقيا باحتفال إفخارستي ترأسه الكاردينال مايكل شيرني، عميد الدائرة الفاتيكانية لخدمة التنمية البشرية المتكاملة. وألقى نيافته عظة تمحورت حول قراءات الأحد السادس عشر من الزمن العادي، متوقفاً عند أمثال الإنجيل الثلاثة: الزؤان والحنطة؛ حبة الخردل؛ والخميرة، ليقدم تأملًا في معنى ملكوت الله ورسالة المسيحيين في عالم اليوم.
أكد الكاردينال شيرني أن ملكوت الله ليس واقعًا بعيدًا أو مؤجلًا، بل هو حاضر بالفعل بين الناس، لكنه يحتاج إلى وعي والتزام عملي. واستشهد بما جاء في الرسالة العامة للبابا لاون الرابع عشر “الإنسانية الرائعة”، حيث يدعو المؤمنين إلى أن يكونوا “خدامًا للملكوت الآتي”، موضحًا أن هذه الدعوة لا تعني انتظار المستقبل فحسب، بل المشاركة منذ الآن في بناء عالم أكثر إنسانية وعدالة وسلامًا.
هذا ثم انطلق نيافته من مثل حبة الخردل، التي تبدو صغيرة لكنها تنمو لتصبح شجرة كبيرة، ليؤكد أن الرجاء المسيحي لا يقوم على تجاهل الصعوبات، بل على الثقة بأن الخير قادر على النمو حتى في أكثر الظروف قسوة. وذكّر بما قاله البابا لاون الرابع عشر بأن المسيحي لا يكتفي بإدانة الشر، بل ينظر إلى التاريخ في ضوء المسيح القائم من بين الأموات، ويرى في كل مرحلة فرصة جديدة للتجدد الشخصي والجماعي. وأضاف أن الخير ينمو بصمت، تمامًا كما تنبت البذرة في الأرض، حتى عندما يبدو أن الفوضى والعنف هما السائدان.
وشدد المسؤول الفاتيكاني على أن هذه النظرة تتطلب رفض ما وصفه بـ”الواقعية الزائفة”، أي الاستسلام والتشاؤم أمام الأزمات، داعيًا إلى التمسك برجاء عملي يُترجم إلى مبادرات ملموسة. وتوجه إلى الشباب مذكراً إياهم بأن البابا الراحل فرنسيس دعاهم لئلا يسمحوا لأحد بأن يسلبهم الرجاء، مؤكدًا أن مستقبل الكنيسة والمجتمع يحتاج إلى أجيال تؤمن بقدرة الله على صنع الجديد وسط التحديات.
انتقل نيافته بعدها إلى الحديث عن مثل الحنطة والزؤان، حيث يرفض صاحب الحقل اقتلاع الزؤان فور ظهوره حتى لا تُقتلع الحنطة معه. ورأى الكاردينال شيرني في هذا المثل دعوة إلى التحلي بالصبر والحكمة عند مواجهة الشر، موضحًا أن الله لا يتجاهل وجود الشر، لكنه لا يسمح أيضًا بأن تتحول الرغبة في القضاء عليه إلى ظلم جديد أو إلى تدمير ما ينمو من خير.
كما ربط نيافته هذا التعليم الإنجيلي برؤية البابا لاون الرابع عشر للعلاقات الدولية، كما وردت في رسالته العامة، حيث يؤكد أن الحوار يبقى الأداة الدبلوماسية التي لا غنى عنها لمنع النزاعات وإعادة بناء الثقة بين الشعوب. وأوضح أن الحوار ينبغي أن يشمل حتى الأطراف التي يصعب التفاهم معها، لأن السلام لا يولد من الإقصاء، بل من الصبر والتواضع والاستعداد للبحث عن أي بادرة حسن نية يمكن أن تفتح طريق المصالحة.
كما أضاف المسؤول الفاتيكاني أن هذا النهج لا يقتصر على العلاقات بين الدول، بل ينبغي أن ينعكس أيضًا في الحياة اليومية داخل الكنيسة والمجتمع، من خلال ما سماه “دبلوماسية الحياة اليومية”، أي بناء الجسور بين الأشخاص والجماعات، وتغليب روح اللقاء على الانقسام. واستشهد بكلمات البابا بندكتس السادس عشر الذي قال إن العالم يُفتدى بصبر الله، بينما تدمره عجلة الإنسان وعدم صبره.
وفي تأمله بالمثل الثالث، مثل الخميرة، أوضح نيافته أن رسالة المسيحي ليست لفت الأنظار أو البحث عن المظاهر، بل العمل الهادئ والعميق الذي يغيّر الواقع من الداخل. فالخميرة لا تُرى، لكنها تُخمّر العجين كله، وهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون حضوره في المجتمع، فيساهم بصمت في نشر العدالة والمصالحة وخدمة الإنسان.
وأشار المسؤول الفاتيكاني إلى أن هذا العمل هو ثمرة فعل الروح القدس، الذي يعمل في القلوب بصمت، ويساند المؤمنين في ضعفهم، كما يقول القديس بولس في رسالته إلى أهل روما. فالروح القدس هو الذي يمنح الكنيسة القدرة على قراءة علامات الأزمنة، واكتشاف طرق جديدة لتعزيز العلاقات بين الشعوب والأمم بما يتوافق مع متطلبات ملكوت الله. وأكد الكاردينال مايكل شيرني أن بناء “جسور الشركة” لا يعني التنازل عن الهوية المسيحية أو التفريط بمتطلبات الإنجيل، بل يعني الانفتاح على الآخرين بروح المحبة والحوار، مع الحفاظ على الشهادة الصادقة للإيمان. فالمسيحي مدعو إلى أن يكون مثل الخميرة، يحول العالم من الداخل، ويزرع روح الشركة والتضامن حيثما وجد.
واختتم عميد الدائرة الفاتيكانية لخدمة التنمية البشرية المتكاملة عظته سائلا الله الكلي القدرة أن تمنح هذه الجمعية العامة كنائس شرق أفريقيا نعمة بناء جسور الشركة والرجاء والعدالة والحكم الرشيد، لكي تكون شاهدًا حيًا على حضور ملكوت الله في العالم، ورسالةَ سلام ومصالحة في هذا الزمن الذي تتزايد فيه الانقسامات والتحديات.
الكاردينال شيرني يدعو إلى بناء جسور الرجاء والعدالة على خطى ملكوت الله






