“إنَّ الكنيسة تنمو عندما تصبح الاختلافات غنى، وعندما يكون الحب هو الرباط الذي يبقيها متحدة” هذا ما قاله أمين سرِّ دولة حاضرة الفاتيكان في عظته بمناسبة الذكرى المئوية الثامنة لكاتدرائية بروكسل
بمناسبة الذكرى المئوية الثامنة لكاتدرائية بروكسل للقديس ميخائيل والقديسة غودولا ترأس أمين سرِّ دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين أمس الأحد القداس الإلهي في الكاتدرائية بحضور جلالة الملك والملكة والبيت الملكي وحشد كبير من الأساقفة والكهنة، والشمامسة، والأشخاص المكرسين، وممثلي الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة البروتستانتية، وللمناسبة ألقى الكاردينال بارولين عظة قال فيها يسعدني أن أترأس هذا الاحتفال الإفخارستي في عيد معمودية الرب، الذي يختتم زمن الميلاد بمناسبة الذكرى المئوية الثامنة لهذه الكاتدرائية. أنقل إليكم تحيات وقرب قداسة البابا لاوُن، الذي أراد في هذه المناسبة أن يعبّر بشكل خاص عن شركته مع هذه الكنيسة ومع هذا البلد بتعييني مبعوثاً بابوياً.
تابع أمين سرِّ دولة حاضرة الفاتيكان يقول إن عيد معمودية الرب، الذي يُحتفل به في هذا المكان المفعم بالتاريخ، يضعنا أمام حقيقة جوهرية: الإيمان المسيحي لا يعيش خارج الزمن أو على هامش التاريخ، بل ينمو في قلبه، في أماكن ملموسة ومن خلال جماعات حقيقية. هنا، على هذه التلة، تجسّد الإيمان قبل وقت طويل من بناء المبنى الذي نتأمَّله اليوم. فمن كابلة مكرس للقديس ميخائيل، ثم كنيسة رومانية، وصولاً إلى بداية البناء القوطي العظيم في القرن الثالث عشر، تميّزت المسيرة بمسار طويل وصبور. والحقيقة بليغة: الكنيسة لا تولد من تصرُّف معزول، ولا من مشروع أُنجز دفعة واحدة، بل من أمانة تتناقلها الأجيال، حيث يتلقى كل فرد، ويحفظ، وينقل ما اؤتمن عليه.
أضاف الكاردينال بييترو بارولين يقول لقد شهدت ثمانية قرون من التاريخ على مرافقة هذه الكاتدرائية للحياة المسيحية في المدينة والبلاد، عابرةً فترات متباينة جداً. إن أشكالها المعمارية والفنية تحفظ ذاكرة إيمان لم يتهرب من أسئلة العصر، بل سعى لسكنها، وقبل أيضاً عناء التمييز والتوبة. كذلك يتحدث القديسان الشفيعان عن هذه الدعوة الكنسية؛ فالقديس ميخائيل يذكرنا باليقظة والتمييز، والقديسة غودولا تذكرنا بأن الإيمان ينمو في الأمانة اليومية. ومعاً، يستحضران كنيسة مدعوة لتوحيد الحقيقة والخدمة، والثبات والوداعة. إن تاريخاً طويلاً كهذا لا يغلق الأعين على الماضي، بل يفتحها على المستقبل؛ هو لا يدعو إلى الحنين، بل إلى الرجاء. ومن هذه الكاتدرائية الواقعة في قلب بروكسل، يمتد النظر إلى أوروبا. وليس من قبيل المصادفة أن تصبح هذه المدينة أحد الأماكن التي تُبنى فيها أوروبا وتحاول إعادة التفكير في نفسها؛ كملتقى للشعوب واللغات والثقافات، ومتميزة بتقليد من الحوار والوساطة. إن بروكسل تذكرنا بأن أوروبا ولدت من اللقاء والقدرة على التوفيق بين الاختلافات.
تابع أمين سرِّ دولة حاضرة الفاتيكان يقول تعيش أوروبا اليوم فترة مطبوعة بالهشاشة والمخاوف والانكسارات التي ليست سياسية أو اجتماعية فحسب، بل هي أيضاً داخلية وثقافية؛ صعوبات تقوضها في جذورها. وفي هذا السياق، لا تقدم المسيحية حلولاً تقنية، بل تقترح قيماً، قيماً إنسانية أساسية. هي تذكر بأن كرامة الشخص تسبق كل حساب، وأن العدالة تنمو بالاحتواء لا بالانفصال، وأن السلام يولد من الاعتراف بالآخر وليس من توازن المخاوف. إنه اقتراح رصين لكنه حاسم، لا يسعى لفرض نفسه، بل لإنارة الضمائر. في السياق التاريخي الذي نعيشه حالياً، يبدو لي من النبوي أن نكرر النداء الذي أطلقه القديس يوحنا بولس الثاني في سانتياغو دي كومبوستيلا في ٩ تشرين الثاني نوفمبر ١٩٨٢، والذي لا يزال اليوم أكثر آنية من أي وقت مضى. وأقتبس: “إذا عملت أوروبا من جديد، وعادت إلى المسيح ولم تخَف من فتح حدود الدول، والأنظمة الاقتصادية والسياسية، ومجالات الثقافة والحضارة والتنمية الواسعة أمام قوته الخلاصية، فإن مستقبلها لن يظل محكوماً بالشك والخوف، بل سينفتح على موسم جديد من الحياة، داخلياً وخارجياً، يكون نافعاً وحاسماً للعالم أجمع”.
أضاف الكاردينال بييترو بارولين يقول ورغم تهديد غيوم الحرب الدائم وإعصار المحرقة النووية المحتمل، تجسدت هذه الرؤية في تاريخ أوروبا الملموس بفضل رجال مثل روبرت شومان، وكونراد أديناور، وألشيدي دي غاسبيري، الذين كانوا قادرين على تخيل القارة ليس كمجرد تحالف مصالح، بل كجماعة قائمة على المصالحة وسيادة الشخص والخير العام. لقد أدركوا أنه بعد تمزقات التاريخ، يجب إعادة البناء، ليس الهيكليات فحسب، بل الثقة المتبادلة أيضاً. وهنا يبرز أحد أكثر التحديات حسمًا للكنيسة اليوم. ليس كونها أقلية عددية، وهي حالة غالباً ما رافقت التاريخ المسيحي، بل خطر أن تصبح بلا تأثير. فليس الضعف العددي هو ما يضعف شهادة الجماعة المسيحية، بل فقدان جرأتها الإنجيلية. تضعف الكنيسة عندما تكف عن كونها الملح الذي يعطي طعماً، والنور الذي يضيء، والخميرة التي تجعل العجين ينمو. إنَّ الكنيسة لا تضع نفسها فوق التاريخ ولا تتماهى معه، بل تعبره كحضور يرافق ويميز ويخدم. وقد عبّر التقليد المسيحي عن ذلك بصور بسيطة وقوية: هي بيت لأن الله يسكن فيه، وهي جسد لأن المسيح يواصل العيش والعمل فيها، وهي شعب لأنه لا يوجد من يؤمن بمفرده. وكما ذكر الآباء: الكنيسة مقدسة بالعطيّة التي تتلقاها، وهشة بمحدوديّة الذين يتكونون منها. لهذا السبب، هي لا تعيش بالكمال بل بالنعمة، ولا بالاكتفاء الذاتي بل بالشركة.
تابع أمين سرِّ دولة حاضرة الفاتيكان يقول في مسيرة الكنيسة هذه عبر الزمن، لا يزال صوت كلمة الله يُسمع، لا كرسالة بعيدة، بل كصوت يدخل الحياة ويوجهها ويسائلها بدون التهرب من الأسئلة. تعطينا القراءة الأولى إحدى أسمى صور الكتاب المقدس: “عبد الرب”، ليس ذاك الذي يفرض نفسه، بل الذي يحمي ما هو هش؛ ليس ذاك الذي يطفئ، بل الذي يحافظ على الشعلة متقدة. إنها عدالة تمر عبر الوداعة والقرب، وليس عبر القوة التي تهيمن. ويظهر لنا الوحي في كماله يسوع وهو يختار الدخول بالكامل في الحالة الإنسانية. ينزل إلى مياه الأردن، ليس لحاجة شخصية، بل ليشارك انتظار وتعب الذين يبحثون عن الخلاص. يقبل الوقوف بين الخطأة بدون أن يُميِّز نفسه. إنه فعل صامت لكنه حاسم. وفقط بعد هذا التواضع، انفتحت السماء ودوى صوت الآب: “هذا هو ابني الحبيب”. إن الترتيب واضح: الهوية البنوية لا تتجلى في الانفصال، بل في المشاركة. وما ولد في الأردن أصبح نهج حياة ورسالة، كما يشهد سفر أعمال الرسل: كان المسيح يجول يصنع الخير ويشفي الجميع بدون تمييز. هذا هو شكل الحضور المسيحي في التاريخ.
وختم أمين سرِّ دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين عظته بالقول أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، إن هذه الصفحة من الإنجيل تلمس حياتنا مباشرة. ففي المعمودية، غُصنا في المسيح وأُدرجنا في حقيقة أكبر منا. لسنا نحن من يبني الكنيسة، بل نحن الحجارة التي يستخدمها الرب. إنَّ الكنيسة تنمو عندما تصبح الاختلافات غنى، وعندما يكون الحب هو الرباط الذي يبقيها متحدة. وفي هذه المسيرة، تتجه أنظارنا نحو مريم التي يتأملها المجمع الفاتيكاني الثاني في سر المسيح والكنيسة. فمنها تتعلم الكنيسة أن الخصوبة لا تولد من قوة الهيكليات، بل من الاستعداد لعمل الله؛ لا من الظهور الفوري، بل من الأمانة الصبورة. من هذه الكاتدرائية، المليئة بعلامات إيمان نضج على مر القرون، نرفع صلاتنا إلى الرب من أجل الكنيسة، ومن أجل مدينة بروكسل، وبلجيكا، وأوروبا، ومجتمع الأمم. ونسأل أن يبقى هذا المكان بيتاً مفتوحاً وفسحة شركة حيث يكوِّن الإنجيل ضمائر قادرة على العدالة والمسؤولية والرجاء.






