السالزيان في بوتسوانا يشددون على أهمية الاستثمار في الشباب لبناء المستقبل

تواصل الرهبنة السالزيانية، المعروفة بأبناء القديس يوحنا بوسكو، حضورها في بوتسوانا، في جنوب القارة الإفريقية، من خلال التركيز على الشباب باعتبارهم الثروة الحقيقية ومستقبل البلاد، في وقت يمر فيه الاقتصاد البوتسواني بمرحلة تحول وتحديات متزايدة.
وقد وصل أول ثلاثة سالزيان إلى بوتسوانا في تشرين الثاني نوفمبر من عام ٢٠٢٣، قادمين من زامبيا من خلال معبر كازانغولا الحدودي، وبدأت مهمتهم رسمياً في كانون الأول ديسمبر من العام نفسه، بدعوة من أبرشية فرانسيستاون. وبعد صعوبات إدارية مرتبطة بتصاريح الإقامة والعمل، تمكنت الجماعة من تثبيت وجودها، وهي تدير حالياً جماعة سالزيانية واحدة في الأبرشية.
يبلغ عدد سكان بوتسوانا نحو مليونين وستمئة ألف نسمة، بينما يشكل الكاثوليك حوالي خمسة في المئة من مجموع السكان. وقد أُوكلت إلى السالزيان رعية صغيرة تحمل اسم القديسة تيريزا الطفل يسوع، وتضم نحو اثنين وسبعين مؤمناً، وتقع في مونارك، إحدى المناطق الأكثر فقراً في مدينة فرانسيستاون.
النشاط السالزياني لا يقتصر على العمل الرعوي، كما يقول الأب فنسنت تيمبو، مضيفا أن الجماعة تسعى إلى وضع الشباب في قلب رسالتها، من خلال توفير بيئة آمنة ومفيدة تساعدهم على استثمار أوقات فراغهم وتنمية مواهبهم وقدراتهم. وقد أطلقت الجماعة مركزا ترفيهيا وتربويا للشباب، خلال عطلات نهاية الأسبوع، إلى جانب دروس التعليم المسيحي ودراسة الكتاب المقدس وبرامج موجهة إلى الشباب والبالغين.
وتأمل الرهبنة في إنشاء مركز شبابي دائم في مونارك، يكون مساحة للتعليم والتكوين والأنشطة الاجتماعية، خصوصاً وأن المنطقة تعاني من الفقر والتهميش. كما بدأت منذ العام الماضي عملية إعداد المتعاونين السالزيان من العلمانيين.
تأتي هذه المبادرة في وقت حساس بالنسبة إلى بوتسوانا، التي عُرفت منذ استقلالها عام ١٩٦٦ بأنها واحدة من أكثر دول إفريقيا استقراراً من الناحية الديمقراطية. غير أن نموذجها الاقتصادي يواجه اليوم ضغوطات كبيرة بسبب الاعتماد الطويل على استخراج الألماس. إذ أسهم قطاع الألماس تاريخياً بنحو ثلاثين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ووصلت مساهمته في عائدات التصدير إلى نحو ثمانين في المئة. ومع تراجع الطلب العالمي على الألماس واشتداد المنافسة من الأحجار الاصطناعية، تقلصت موارد الدولة، وأدى إغلاق بعض المناجم أو تقليص نشاطها إلى فقدان الوظائف. وتبرز المشكلة بصورة أكبر بين الشباب، إذ تتجاوز البطالة في صفوفهم ثلاثين في المئة، ما يدفع كثيرين إلى العمل في القطاع غير الرسمي أو الاعتماد على زراعة محدودة لتأمين المعيشة.
في هذا السياق، ترى الرهبنة السالزيانية أن الاستثمار في التعليم والتكوين المهني وتنمية قدرات الشباب يمثل رهاناً أساسياً من أجل مستقبل البلاد. فالثروة التي تسعى الجماعة إلى تنميتها ليست الألماس الموجود تحت الأرض، بل الإنسان ولا سيما الجيل الشاب القادر على المساهمة في تنويع الاقتصاد وبناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحولات. من هذا المنطلق تندرج مهمة الرهبان السالزيان في بوتسوانا ضمن شبكة إقليمية تشمل زامبيا وملاوي وزيمبابوي، وتحظى بدعم من متعاونين دوليين، بينهم سالزيان من الجمهورية التشيكية ساهموا في دعم الجماعة وتطوير أنشطة الشباب في فرانسيستاون.
ويرى الأب تيمبو أن الوجود السالزياني في مونارك، رغم حداثته ومحدودية إمكاناته، يمثل بصيص أمل للشباب، معتبراً أن إيجاد مساحة آمنة لهم وتزويدهم بالمعرفة والمهارات وفتح آفاق جديدة أمامهم، يمكن أن يوفر بديلاً عملياً عن الفقر والتهميش، ويجعل من الإنسان، لا من الأحجار الكريمة، الثروة الأهم من أجل مستقبل بوتسوانا.