كلمة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي
إفتتاح احتفال أحد كلمة الله
مغدوشة – 25 كانون الثاني 2026
“الكتاب المقدّس: عهدان في كتاب”
صاحب السيادة،
المؤتمرون الأعزاء،
أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء،
1. يسعدني أن أشارك في افتتاح أحد كلمة الله، في هذا المكان المبارك، مزار سيدة المنطرة – مغدوشة، بدعوة كريمة من القيّمين على هذا اللقاء، وأن أتكلّم عن عنوانه: “الكتاب المقدس: عهدان في كتاب”.
I- شرح العنوان
أبني كلمتي على ما جاء في “الدستور العقائدي: كلمة الله” الصادر عن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، في بنده السادس عشر. يشرح آباء المجمع بكلمة القديس أغسطينوس عنوان مؤتمرنا بالعبارة التالية: “الله الذي أوحى كتب العهدين، رتّب بحكمة أن يختبئ العهد الجديد في القديم، وأن يتّضح القديم في الجديد”.
2. الكتاب المقدس ليس كتابين متجاورين، ولا زمنين منفصلين، ولا مسارين متوازيين، بل هو تصميم خلاص واحد، حيّ ومتكامل، يبدأ بالوعد ويبلغ اكتماله بالمسيح. العهد القديم يهيّئ الطريق، يزرع الرجاء، ويغذّي الانتظار، والعهد الجديد يكشف الوجه، يعلن التحقيق، ويُظهر الكلمة متجسدة بيننا. ما كان يُقال بالرمز صار واقعًا، وما كان يُنتظر صار حاضرًا. كلاهما كلمة الله، كلاهما نور، وكلاهما يقود إلى المسيح، كلمة الآب الحيّة.
II- الله يكلّمنا
في أحد كلمة الله، تعيدنا الكنيسة إلى الأساس: الله تكلّم، وما زال يتكلّم. كلمته ليست ذكرى محفوظة في نصوص، ولا تاريخًا يُروى، بل حضور حيّ، فاعل، قادر أن يخترق الضمير، ويوقظ القلب، ويبدّل الاتجاه. كلمة الله قادرة أن تغيّر، أن تبني، أن تشفي، أن تفتح دروب الرجاء حيث يبدو الأفق مسدودًا. كلمة الله لا تدمّر بل تخلق، لا تقسّم بل تجمع، لا تبرّر الظلم بل تكشفه، لا تخدّر الضمير بل توقظه.
ليتورجيًا، لا نحتفل اليوم بذكرى، بل نعيش حدثًا. فالليتورجيا لا تكرّر الماضي، بل تجعلنا معاصرين له. حين تُتلى الكلمة في الجماعة، يصبح الله متكلّمًا، والكنيسة سامعة، والمؤمن مدعوًا. نحن لا نقرأ الكتاب المقدس من الخارج، بل ندخله، ونسكنه، وندعه يقرأنا. في الليتورجيا، الكلمة تُعلن، لا لتُحلَّل فقط، بل لتُحوِّل، لتصنع فينا ولادة جديدة، وتجعلنا شهودًا لما نسمع.
III- طبيعة كلمة الله
3.كلمة الله ليست نصًا جامدًا، ولا ذكرى من الماضي، بل كلمة حيّة، فاعلة، خلاّقة. كلمة الله قادرة أن تغيّر، أن تبني، أن تشفي، أن تفتح دروب الرجاء. كلمة الله لا تدمّر بل تخلق، لا تقسّم بل تجمع، لا تبرّر الظلم بل تكشفه، ولا تُخدّر الضمير بل توقظه. هي كلمة نور في زمن العتمة، وكلمة حق في زمن الالتباس، وكلمة حياة في عالم يتعب من الموت.
ومن هنا، نصل إلى جوهر علاقتنا بالكلمة، وإلى مسؤوليتنا أمامها. الله هو الكلمة، كما يعلن إنجيل يوحنا، الكلمة الأزليّة، الكلمة التي بها خُلق كل شيء، والكلمة التي صارت جسدًا وسكنت بيننا. ونحن الصوت. الصوت الذي لا يصنع الكلمة، بل يحملها. الصوت الذي لا يملك المعنى، بل يخدمه.
الله هو الكلمة، ونحن الصوت الذي يُعير نفسه لها. فمتى صمت الصوت، تبقى الكلمة. ومتى شوّه الصوت نفسه، ضاعت الكلمة في الضجيج. الكلمة من الله، والصوت من الإنسان. والشرط الوحيد لكي تبقى الرسالة أمينة، هو أن يبقى الصوت خادمًا للكلمة، لا بديلاً عنها.
ليتورجيًا، تضعنا الكنيسة اليوم أمام الكلمة في مركزها، لا على الهامش. الكلمة تُعلن، وتُقرأ، وتُفسَّر، لكنها قبل كل شيء تُعاش. فالليتورجيا لا تكرّر حدثًا قديمًا، بل تجعلنا معاصرين للكلمة، مدعوين اليوم، هنا والآن، إلى الإصغاء والطاعة، لا إلى المعرفة فقط.
IV- الكلمة والوطن
4. من هذا الإصغاء، نتوجّه أيضًا إلى واقعنا الوطني. في زمنٍ يكثر فيه الكلام وتقلّ فيه الحقيقة، في وطنٍ يتعب من الشعارات ويعطش إلى المعنى، نحن بحاجة إلى كلمة تُبنى عليها الثقة، وإلى صوت لا يحرّف المعنى. وطننا بحاجة إلى كلمة حق، لا إلى ضجيج؛ إلى كلمة تجمع، لا إلى خطابات تقسّم؛ إلى كلمة تُعيد الاعتبار للإنسان، لا إلى أصوات تستهلكه.
في أحد كلمة الله، نؤمن أن الكلمة قادرة أن تعيد بناء الإنسان، وبالتالي أن تفتح أفق الرجاء للوطن. فحين تستنير الكلمات الوطنية بكلمة الله، يصبح المستقبل ممكنًا، ويعود الرجاء فعلًا لا شعارًا.
الخاتمة
5. مع افتتاح أسبوع كلمة الله، نصلّي كي تعود الكلمة إلى قلوبنا وبيوتنا ومدارسنا وأماكن عملنا. نصلّي من أجل كل إنسان يبحث عن كلمة حياة وسط التعب والضياع.
شكرًا لإصغائكم.
الراعي : نحن في زمنٍ يكثر فيه الكلام وتقلّ فيه الحقيقة






