الراعي : أنتم شهادة أن الإيمان الذي خرج من أرض الأرز والرافدين والشام ما زال حيًّا وقادرًا أن يُثمر حيثما زُرع

عظة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي
أحد الأبرص
إنسخده، الأحد ٢٢ شباط ٢٠٢٦
“إن شئتَ فأنتَ قادرٌ أن تُطهِّرني.”
إخوتي أصحاب السيادة والمطارنة والآباء،
سعادة سفير لبنان،
سعادة رئيس البلدية،
الفعاليات المدنية وأصحاب المقامات،
أيها الإخوة والأخوات الأحبة،
في إنجيل اليوم يقترب أبرص من يسوع، يهمس بكلمة واحدة:
«إن شئتَ فأنتَ قادرٌ أن تطهّرني».
فيجيبه الربّ بأن «مدّ يده ولمسه».
هذا هو سرّ الكنيسة. فهي ليست أولًا فكرةً أو مؤسّسةً أو جدرانًا، بل هي لمسةُ الله للإنسان، ودعوته للعودة إلى البيت. وهذا ما يعلّمنا إيّاه إنجيل اليوم. فالأبرص في زمن يسوع كان يعيش خارج الجماعة، خارج المدينة، خارج العبادة. وكان أقسى ما في مرضه أنّه محروم من البيت. وحين لمسه يسوع، لم يشفِ جسده فقط، بل أعاده إلى الشعب، إلى الهيكل، إلى الحياة.
هكذا بدأت مسيرة هذه الجماعة الرعوية في إنسخده العزيزة. فطيلة أكثر من خمسٍ وعشرين سنة، كانت هذه الجماعة صغيرةً في العدد، كبيرةً في الإيمان، من دون بيتٍ جامعٍ ثابتٍ لها. وبالرغم من ذلك، لم تتوقّف الخدمة الرعوية يومًا، ولم ينقطع القداس يومًا، ولم تخفت شعلة الرجاء.
فالكنيسة التي نفتتحها اليوم لم تولد من قرارٍ مفاجئ، بل من مسيرةٍ طويلةٍ من الأمانة والصبر. الله لمس جماعتكم منذ البداية، وحفظها في صمت السنوات، حتى جاءت هذه اللحظة. هذه الكنيسة هي ثمرة وعيٍ بأن الجماعة التي تصلّي معًا يجب أن تبني معًا؛ ثمرة جماعة شجاعة اختارت الرجاء بدل الخوف.
لكن دعوني أقول لكم بوضوحٍ أبويّ: المعجزة ليست في شراء الكنيسة، المعجزة هي أن تبقوا كنيسة. قد نمتلك جدرانًا، لكن إن لم نمتلك روح الوحدة نكون قد خسرنا الجوهر. قد نحصل على مفاتيح، لكن إن لم نفتح قلوبنا لبعضنا البعض، يبقى الباب مغلقًا.
وفي هذه اللحظة المباركة، أودّ أن أعبّر عن امتناني العميق إلى سيادة المطران مارون ناصر الجميّل، الزائر الرسولي للموارنة في أوروبا، على سهره الأبوي الدائم على حاجات هذه الجماعة، ومرافقته لها بمحبة واهتمام ومسؤولية، حتى بلغت هذه اللحظة المليئة بالنعمة.
كما أتوجّه بالشكر إلى سيادة المطران ميشال عون على إرساله كاهنًا لخدمة هذه الرسالة، مؤكدًا من خلال هذا العطاء أن الكنيسة الأم لا تنسى أبناءها في بلدان الانتشار، بل تبقى قريبةً منهم، حاضرةً في مسيرتهم، وساهرةً على نموّهم الروحي والكنسي.
وأشكر الكهنة الذين خدموا هذه الرعية بأمانة عبر السنوات، الذين زرعوا الكلمة، واحتفلوا بالأسرار، ورافقوا العائلات في أفراحها وأحزانها. بفضل خدمتهم الروحية بقيت الجماعة حيّةً ومتجذّرةً في إيمانها، وثابتةً رغم كل التحديات.
كما أشكر أبناء هذه الرعية وبناتها على سخائهم والتزامهم. ما تحقق اليوم لم يكن ممكنًا لولا عطاؤكم، ولولا تضحياتكم، ولولا إحساسكم العميق بالمسؤولية تجاه مستقبل أولادكم وأجيالكم.
لقد أثبتم أن الإيمان ليس شعارًا يُقال، بل أمانةٌ تُحمل، وعطاءٌ يُقدَّم، ومحبةٌ تُترجم عملًا والتزامًا.
يقول الإنجيل إن يسوع تحنّن على الأبرص. التحنّن في الكتاب المقدّس هو قلب الله المنفتح على الإنسان. الله تحنّن على هذه الجماعة. حنانه تجلّى في تماسككم وفي التزامكم، وظهر كذلك في تعاون كنيستنا المارونية والكنيسة الجامعة معكم. لكنّ التحنّن لا يُعطى فقط ليُحفظ، بل ليُثمِر.
هذا البيت يجب أن يكون بيت شفاء:
بيتًا يدخل إليه المتعب فيجد راحة،
والمهاجر فيجد انتماء،
والشاب فيجد معنى،
والعائلة فتجد ثباتًا.
إن لم يصبح هذا المكان مساحة لقاء حيّ مع المسيح، يبقى مبنى جميلًا فقط. أمّا إذا امتلأ بالصلاة، فإنه يصير بابًا للسماء.
أبنائي الأحبّاء، ليس صدفةً أن يحمل هذا البيت اسم القديس يوحنا. يوحنا هو التلميذ الذي بقي؛ لم يهرب من الصليب، ولم يتراجع أمام الألم، بل استقبل مريم إلى بيته، وصار بيتُه امتدادًا لرسالة المسيح.
هكذا أنتم مدعوون اليوم: أن تبقوا ثابتين في الإيمان، أن تحتضنوا مريم ملكة الشرق كأمّ تحرس هذا البيت، وأن تجعلوا من هذه الكنيسة مكان شهادة، لا مكان انعزال.
وجودكم هنا ليس حدثًا عابرًا، بل رسالة. أنتم جسر بين الشرق والغرب. أنتم حضور الكنيسة الشرقية في قلب أوروبا. أنتم شهادة أن الإيمان الذي خرج من أرض الأرز والرافدين والشام ما زال حيًّا، وقادرًا أن يُثمر حيثما زُرع.
كما قال الأبرص: «إن شئتَ»، نقول نحن اليوم:
يا رب، إن شئتَ، اجعل من هذا البيت بيت حضورك.
المس جماعتنا، ثبّت خطواتها، واجعل هذا المكان نورًا في هذه المدينة.
ولتبقَ مريم ملكة الشرق تحرس أبناءها، وتقودهم دومًا إلى ابنها، الذي يلمس ويشفي ويجمع.
آمين.