كلمة البطريرك الكاردينال بشارة بطرس الراعي
في المؤتمر الليتورجي لمناسبة مرور خمسين سنة على صدور الكتاب الأول من كتب الفرض الإلهي الماروني
جامعة الروح القدس – الكسليك، 3 تشرين الثاني 2026
أصحاب السيادة، قدس الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية، حضرة رئيس جامعة الروح القدس – الكسليك، حضرة الآباء والرهبان والكهنة، الأساتذة والباحثون والإخوة والأخوات الأحبّاء،
1. يسعدني أن أشارك في يوبيل مرور خمسين سنة على صدور الكتاب الأول من كتب الفرض الإلهي الماروني عن معهد الليتورجيا وكليّة الموسيقى في جامعة الروح القدس – الكسليك.
إنّ يوبيل خمسين سنة هو فرصة لنعود إلى المسيرة التي قادت إلى صدوره، وإلى الأشخاص الذين بذلوا وقتهم وجهدهم في خدمة هذا العمل، وإلى السؤال الذي يبقى مطروحًا أمامنا اليوم: كيف نحافظ على تراثنا الليتورجيّ، ونفهمه بعمق، وننقله إلى الأجيال المقبلة حيًّا وقادرًا على تغذية إيمانهم؟
فالليتورجيّا ليست أمرًا ثانويًا في حياة الكنيسة، ولا مجرّد مجموعة من النصوص والطقوس التي نحافظ عليها احترامًا للماضي. إنّها في صميم حياة الكنيسة ورسالتها؛ ففيها تجتمع الجماعة المؤمنة حول الرب، وتصغي إلى كلمته، وتحتفل بأسراره، وتعبّر عن إيمانها بالصلاة والترتيل. وهي، بحسب تعبير المجمع البطريركي الماروني، «الكنز الحيّ للكنيسة المارونيّة»، وتحتلّ موقعًا محوريًا في مسيرتها . وقد علّمنا المجمع الفاتيكاني الثاني أنّ الليتورجيا هي «القمّة التي يتّجه إليها عمل الكنيسة، والينبوع الذي تنبع منه قوّتها».
2. إنّ التراث الماروني الذي وصل إلينا حملته جماعاتنا المؤمنة عبر قرون طويلة، وحفظته الأديرة والكنائس، وصانته الصلوات والأناشيد والمزامير، ونقلته المخطوطات من جيل إلى جيل. في هذا التراث نسمع صوت أنطاكية السريانية، ونكتشف عمق الكتاب المقدّس في صلاتنا، ونرى كيف عبّرت الكنيسة المارونية عن إيمانها في ظروف تاريخية وثقافية مختلفة.
إنّ العودة إلى المصادر السريانية والمخطوطات القديمة هي سبيل ضروري لفهم هويتنا الليتورجية. وقد شدّد النص الثاني عشر من المجمع البطريركي الماروني على أصالة التقليد الأنطاكي السرياني الماروني، وعلى ضرورة أن يستند تجديد الليتورجيا إلى الينابيع والأصول. لكن العودة إلى الجذور لا تعني الانغلاق في الماضي، كما أنّ التجديد لا يعني التخلّي عمّا تسلّمناه. فالمجمع الفاتيكاني الثاني دعا إلى المحافظة على التقليد الصحيح، مع إبقاء المجال مفتوحًا على مشروع مدروس، يستند إلى البحث التاريخي واللاهوتي والرعوي.
3. تحتلّ الرهبانية اللبنانية المارونية الجليلة وجامعة الروح القدس – الكسليك الزاهرة مكانة تستحقّ التقدير. فقد أسهمت في احتضان البحث الليتورجيّ وتعزيز دراسة التراث. وكان تأسيس معهد الليتورجيا في الجامعة سنة 1969، خطوة مهمّة في تنظيم هذا العمل وتطويره.
إنّنا، إذ نحتفل اليوم بمرور خمسين سنة على صدور الكتاب الأول من كتب الفرض الإلهيّ، نتذكّر الجهد الذي بُذل لإخراج النصوص إلى النور، وجمع ما تفرّق منها، ومراجعة مصادرها، والعمل على تقديمها في صيغة تساعد على استعمالها في الصلاة الكنسية.
4. في هذا الإطار، نتوقّف عند شخصيّتين كان لهما حضور في مسيرة التجديد الليتورجيّ المارونيّ: الأباتي يوحنا تابت، الذي نستذكره اليوم بوفاء بعد انتقاله إلى بيت الآب، والأب الحبيس يوحنا الخوند، الذي نكرّمه بيننا تقديرًا لما قدّمه من خدمة للكنيسة وتراثها. فالأباتي يوحنا تابت ارتبط اسمه بجهود البحث في المصادر الليتورجية، وبالعناية بالنصوص والمخطوطات، وبالسعي إلى إظهار غنى التقليد الماروني. وأهمها، اهتمامه بالفرض الماروني، إلى جانب اهتمامه بالتراث السرياني ومصادر الصلاة والترتيل.
5. أمّا الأب الحبيس يوحنا الخوند، فنوجّه إليه تحيّة تقدير وامتنان، لمسيرة من الالتزام والعمل، ولجهد بذله في خدمة الصلاة المارونية ونصوصها ولغتها. فالليتورجيا تحتاج إلى من يدرس مصادرها، كما تحتاج إلى من يساعد الكنيسة على التعبير عن إيمانها بلغة مفهومة وأمينة، تحفظ عمق النصّ ولا تجعل الصلاة غريبة عن الذين يرفعونها. بل الهدف أن نفتح الطريق أمام المؤمن ليدخل إلى عمقها، وأن نساعده على أن يصلّي ما يؤمن به، وأن يفهم ما يصلّيه، وأن يحمل هذه الصلاة معه إلى بيته وحياته. هذا ما فعله – مشكورًا ومقدَّرًا – الأب يوحنا الخوند.
6. ولا بدّ من الإشارة إلى إسهامات آباء آخرين شاركوا في هذه المسيرة، ومنهم الأب روفائيل مطر والأب عمانوئيل خوري، كلٌّ بحسب اختصاصه ومجال خدمته، سواء في البحث الليتورجي أو في النصوص والترتيل والتعبير عن الإيمان. فالتجديد الليتورجي الماروني هو مسيرة ساهم فيها أشخاص ومؤسسات، وتكاملت فيها الخبرات عبر مراحل مختلفة. ومن الإنصاف أن نقرأ هذا التاريخ بوصفه ثمرة جهد جماعي، وأن نُبقي أسماء العاملين فيه حاضرة في ذاكرتنا الكنسية والعلمية.
7. لقد أعطانا المجمع البطريركي الماروني، في النص الثاني عشر المخصّص لليتورجيا، إطارًا مهمًا للتأمّل في هذا الموضوع. فالليتورجيا ليست شأنًا منفصلًا عن حياة الكنيسة، بل هي في قلب هويّتها ورسالتها. ومن هذا المنطلق، تبرز أمامنا اليوم مسؤوليات مترابطة:
– مسؤولية البحث العلمي
– مسؤولية التنشئة
– مسؤولية الترتيل والموسيقى الكنسية
– مسؤولية وصل الصلاة بالحياة.
8. فلتبقَ ليتورجيتنا ذاكرةً حيّة لإيمان آبائنا، وصوتًا يصلّي في قلب كنيستنا، ولقاءً متجدّدًا بالمسيح، ومدرسةً للوحدة، وينبوعًا للرسالة والرجاء في لبنان والشرق والعالم. ولإلهنا المجد والشكر إلى الأبد. آمين.
مع الشكر لإصغائكم!
البطريرك الراعي: مسؤوليتنا المحافظة على تراثنا الليتورجي ونقله إلى الأجيال حيا وقادرا على تغذية إيمانها






