البابا يلتقي كهنة أبرشية روما ويشدّد على أهمية التعاون والاقتراب من الشببية

استقبل البابا لاون الرابع عشر صباح الخميس في قاعة بولس السادس بالفاتيكان كهنة أبرشية روما ووجه لهم خطابا توقف فيه عند أهمية التعاون في إطار الشركة والاقتراب من الشبيبة ووضع بشارة الإنجيل في محور النشاط الرعوي.
استهل الحبر الأعظم كلمته مرحبا بضيوفه وشاكراً إياهم على حضروهم، خاصا بالتحية نائبه العام على أبرشية روما. بعدها لفت البابا إلى أنه مع بداية السنة الرعوية تركنا الكلمات التي قالها يسوع للمرأة السامرية عند بئر يعقوب تلهمنا: “لو كنتِ تعرفين هبة الله”. وأوضح لاون الرابع عشر في هذا السياق أن الهبة هي دعوة لعيش مسؤولية خلّاقة، لأن الكهنة ليسوا منخرطين ضمن التقليد كمنفذين لرعوية معلّبة، بل على العكس إنهم مدعوون لأن يتعاونوا مع عمل الله من خلال إبداعهم ومواهبهم، تنيرهم كلمات القديس بولس الرسول إلى تيموثاوس: “تذكر أن تعيد إحياء هبة الله التي فيك”. وشدد البابا على أن هذه الدعوة ليست موجهة للفرد وحسب إنما للجماعة أيضا، ونشعر اليوم ككنيسة روما أنها موجهة لنا أيضا. وكأنها تقول لنا: “يا كنيسة روما تذكري أن تعيدي إحياء هبة الله”.
بعدها ذكّر البابا الحاضرين بأن رسول الأمم وجه تلك الدعوة إلى جماعة فقدت النضارة والدفع الرعوي، إذ نشعر بالتعب وخيبة الأمل والإحباط مع تبدل الأوضاع ومرور الزمن، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى تراجع روحي أو خلقي. ولفت البابا إلى أن الهبة الموجودة في تيموثاوس هي بمثابة الجمر الموجود تحت الرماد، ولا بد من أن يتقد من جديد. وهذا ينطبق على المسيرة الرعوية في أبرشية روما، حيث النار موجودة لكنها تحتاج دائماً لأن تبقى مشتعلة.
وقال الحبر الأعظم في هذا السياق إن هذه النار هي الهبة التي منحنا إياها الرب، إنها الروح الذي رسم مسيرة الكنيسة، والتاريخ والتقليد الذي نلناه، وكل ما نقدّمه إلى جماعاتنا. ومع ذلك، تابع البابا، لا بد أن نقرّ بأن هذه الشعلة لا تحافظ دائما على الحيوية نفسها، وهذا الواقع يتطلب منا جهداً إضافياً خصوصا عندما نشعر بالتعب وسط التبدلات الثقافية والسياقات المختلفة التي نمارس فيها خدمتنا، وعندما يفتر إيماننا وممارستنا الدينية.
هذا ثم قال البابا إن هذا الأمر ينطبق قبل كل شيء على النشاط الرعوي العادي، وشاء أن يوجه كلمة شكر لضيوفه على الخدمة والجهود الحثيثة التي يقومون بها خصوصا وأنهم يفعلون ذلك غالباً وسط الكثير من المتاعب وسوء الفهم ولا يحظون أحياناً كثيرة بالإقرار والامتنان اللائقين.
وشدد لاون الرابع عشر على أن التعب وسوء الفهم يمكن أن يشكلا حافزاً للتفكير والتأمل بشأن التحديات الرعوية، مشيرا إلى أن الرعوية العادية تتبع نموذجاً تقليدياً كلاسيكياً يُعنى قبل كل شيء بتقديم الأسرار، وتُترك للبيئة المحيطة، كالمجتمع والعائلة، مهمة نقل الإيمان، بيد أن التبدلات الثقافية والأنتروبولوجية التي حصلت في العقود الماضية تُظهر أن الواقع مختلف تماما، لا بل نشهد اضمحلالا للممارسة الدينية. لذا من الأهمية بمكان أن نعود إلى الإنجيل، مدركين أن جزءا من الأشخاص المعمدين لا يشعر بانتمائه إلى الكنيسة، وهذا الواقع ينطبق على روما كما على المدن الكبرى، لذا لا بد أن يضع النشاط الرعوي إعلان الإنجيل في المحور، وأن يبحث عن السبل الكفيلة في جعل الأشخاص يعولون على وعود الرب. وينبغي أن نبحث عن طرق أخرى لنقل الإيمان خارج الأطر التقليدية، من أجل إشراك الفتيان والشبان والعائلات.
لم تخل كلمة البابا إلى كهنة أبرشية روما من الحديث عن ضرورة العمل معا في إطار الشركة. ولفت إلى أن الرعية كانت تقتصر في الماضي على نطاق جغرافي ضيق، بيد أن الواقع بات مختلفاً اليوم نظرا لتنقل الأشخاص الذين يقيمون بعيداً عن البيئات الجغرافية والثقافية التي ينتمون إليها. لذا فإن الرعية وحدها ليست كافية للكرازة بالإنجيل، لذا ثمة ضرورة للتعاون وتكاتف الجهود في المدن الكبيرة، شأن روما، مع إيلاء اهتمام خاص بالرعايا الموجودة في الأطراف. ما يتطلب تنسيقا أكبر يعكس فعلا الشركة القائمة بين الكهنة.
بعدها تطرق لاون الرابع عشر إلى أهمية الاقتراب أكثر من الشبان إذ يعيش معظمهم بعيداً عن الله والكنيسة. ولا بد من التعرف على المشاكل الوجودية التي يختبرونها وعلى الصعوبات التي تدفعهم احياناً إلى ممارسة العنف. وقال إننا قد لا نحمل في جعبتنا حلولاً آنية لكل تلك المشاكل لكن لا بد من الإصغاء إليهم ومقاسمة حياتنا. كما يتعين على الرعايا أن تقيم حواراً بهذا الشأن مع المؤسسات المحلية، كالمدرسة والأخصائيين في مجال التربية والعلوم الإنسانية، وكل الأشخاص الحريصين على مستقبل الشبان ومصيرهم.
هذا ثم شاء لاون الرابع عشر أن يوجه كلمة تشجيع إلى الكهنة الشبان، مشيرا إلى أنه في السياق الاجتماعي والكنسي الصعب الذي نعيشه يمكن أن تنفد طاقاتنا بسرعة وأن نشعر بالإحباط والوحدة. من هذا المنطلق لا بد من الحفاظ على أمانتنا للرب ومواصلة العمل بحماسة حتى عندما لا نرى ثمار الرسالة. وطلب من ضيوفه أن يحافظوا على الحوار فيما بينهم، وألا يخافوا من الحديث عن الأزمات والمتاعب التي يختبرونها، لاسيما مع أخوتهم في الكهنوت القادرين على مساعدتهم. وأكد أننا مدعوون جميعاً إلى تبني مواقف ترتكز إلى الإصغاء والاهتمام ببعضنا البعض، لأنه بهذه الطريقة تُعاش الشركة بين الكهنة.
في الختام شجع الحبر الأعظم كهنة أبرشيته على أن يتمسكوا بدعوتهم وينمّوها وأن يعتنوا ببعضهم البعض ليكونوا رعاة بحسب قلب الله، ويخدموا بشكل أفضل أبرشية روما.