البابا يصلّي من أجل البشارة في المدن

في نيّته للصلاة لشهر آب أغسطس البابا يدعو الكنيسة جمعاء وجميع الأشخاص ذوي الإرادة الصالحة للانضمام إلى الصلاة لكي “لا يشعر أحد بأنه غير مرئي”.
صدرت عصر الجمعة ٣١ تموز يوليو ٢٠٢٦، رسالة الفيديو للبابا لاوُن الرابع عشر لنيته للصلاة لشهر آب أغسطس والتي يدعو قداسة البابا فيها هذا الشهر للصلاة لكي “لا يشعر أحد بأنه غير مرئي”.
قال البابا لاوُن الرابع عشر أيها الرب يسوع، الراعي الصالح، أنت تجوب شوارعنا وساحاتنا، وتدخل القصور الفاخرة والأحياء الأكثر تواضعاً، وترافق بصمت ملايين الأشخاص الذين يبحثون عن معنى للحياة وسط الضجيج والعجلة. أنت تعرف يا رب قلب المدينة: أضواءها وظلالها، صخبها وعزلتها. نعلم أن المدن مدعوة لتكون واحات للحرية والفرص، لكنها قد تتحول أيضاً إلى فسحات من التجاهل والعزلة. لذلك، نطلب منك اليوم نظرة جديدة، قادرة على أن تكتشف في الحياة الحضرية أرضاً خصبة لإعلان إنجيلك. هبنا إيماناً مبدعاً وعميقاً، لا يقف عند حد الكلمات، بل يتجسد في لفتات بسيطة وقريبة. اجعلنا كنيسة “تنطلق إلى الخارج”، قادرة على مد يد العون إلى الضواحي، وإدخال التعزية إلى العزلة، وزراعة الأخوّة حيث تسود اللامبالاة. يا رب، اجعل جماعاتنا في المدن بيوتاً مفتوحة ومضيافة، أماكن نتقاسم فيها الرجاء، حيث لا يشعر أحد بأنه غير مرئي، وحيث ينير فرح إنجيلك الحياة الخفية للكثير من الإخوة والأخوات. اجعلنا شهوداً لك في المدينة، مرسلين شجعاناً ومبدعين، يعلنون بحياتهم محبتك، القادرة على تخطي العجلة، والضجيج، والتجاهل. آمين.
مع عيش نحو نصف سكان العالم اليوم في المناطق الحضرية، يكرس البابا لاوُن الرابع عشر نيته للصلاة لشهر آب أغسطس لموضوع “البشارة في المدن”. ويدعو المؤمنين لكي يتعرَّفوا، حالة عدم التعرف على الهوية والوحدة التي غالبًا ما تميز الحياة الحضرية، على مسارات لبناء جماعات مفتوحة ومضيافة ” حيث لا يشعر أحد بأنه غير مرئي”. ومن خلال شبكة الصلاة العالمية للبابا وحملة “صلّ مع البابا”، يدعو الأب الأقدس المؤمنين وجميع ذوي الإرادة الصالحة للانضمام كل شهر إلى نوايا صلاته. في صلاته، يتوجه البابا لاوُن الرابع عشر إلى “الراعي الصالح” الذي يجوب الشوارع والساحات، ويدخل إلى “القصور الفاخرة والأحياء الأكثر تواضعاً”، ويرافق في صمت ملايين الأشخاص الذين يبحثون عن معنى ” وسط الضوضاء والعجلة”. ويعترف الباباوات بأن المدن، المدعوة لتكون أماكن للحرية والفرص، يمكنها أيضاً أن تتحول إلى “فسحات من التجاهل والعزلة”، ويطلب نظرة جديدة قادرة على اكتشاف “الأرض الخصبة لإعلان” الإنجيل في الحياة الحضرية. وتختتم الصلاة بالابتهال من أجل إيمان خَلاّق لا يقتصر على الكلمات، بل يتجسد في لفتات بسيطة وقريبة، ويجعل الكنيسة جماعة تخرج وتنطلق قادرة على أن تمد يدها في الضواحي وزرع الأخوة “حيث تسود اللامبالاة”.
يعيش اليوم حوالي ٤٥% من سكان العالم في المناطق الحضرية، مما يجعل المدن الكبرى أحد حقول الرسالة الرئيسية في عصرنا. وقد ساهم النمو الديمغرافي في تركيز عالٍ للسكان، مما أدى إلى ظهور تحديات ذات طابع اجتماعي وجماعي: أحياء، ومبانٍ، ومناطق تجارية، وضواحي أصبحت بالنسبة للكثيرين أماكن مجهولة ومعزولة. ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة — آفاق التمدن العالمي (٢٠٢٥)، من بين أكثر المدن إهلالاً بالسكان في العالم نجد جاكرتا (٤٢ مليون نسمة)، وداكا (٣٧ مليوناً)، وطوكيو (٣٣ مليوناً)، ودلهي (٣٠ مليوناً)، وشنغهاي (٣٠ مليوناً). وفي هذا السياق، تؤثر الوحدة على الصحة النفسية، وبشكل خاص على الشباب: حيث يقر ٣٥% منهم بأنها تؤثر على حياتهم اليومية، على الرغم من التواصل الرقمي الدائم تقريباً. وتتجلى الوحدة الحضرية في العلاقات السطحية، وقلة القرب مع الجيران والجماعة، وفي الشعور بعدم الانتماء إلى أي مكان، وفي نقص الدعم العاطفي في اللحظات الصعبة، وفي ندرة فسحات اللقاء الحقيقي في الأحياء. في هذا السيناريو، ذكّر البابا لاوُن الرابع عشر بأن “مستقبل الازدهار البشري يتوقف على نوع “المحبة” التي نختارها لننظم مجتمعنا حولها: محبة أنانية، أي حب الذات، أو محبة الله والقريب”، في خطابه للمشاركين في اللقاء السنوي لشبكة البرلمانيين الكاثوليك الدولية في آب أغسطس ٢٠٢٥.
“كم مرة رأينا الوجه الجريح لأخٍ لنا ثم مررنا مرور الكرام؟”، يتساءل الأب كريستوبال فونيس، المدير الدولي لشبكة الصلاة العالمية للبابا، ويضيف: “إنّ هذه النية الصلاة هي دعوة موجهة للجميع للتأمل، حيث، انطلاقًا من التحول الداخلي الذي ينبع من الصلاة الرسولية الحقيقية، سيتمكن الروح القدس من إلقاء الضوء علينا حول كيفية بناء مدن أكثر عدالة وضيافة في سياقاتنا، كما يطلب منا قداسة البابا”. ليست هذه هي المرة الأولى التي يركز فيها الأب الأقدس على البشارة في نيّته للصلاة. ففي عام ٢٠٢٢، كرّس البابا فرنسيس نية شهر تشرين الأول أكتوبر لموضوع “من أجل كنيسة مفتوحة للجميع”، داعياً إلى استغلال “هذه الفرصة لكي نكون كنيسة القرب، الذي هو أسلوب الله”. وتؤكد شبكة الصلاة العالمية للبابا أن هذه النية تدعو إلى جعل الإنجيل مرئياً في الأشياء غير المرئية: ففي المدينة، حيث يمر الكثيرون دون أن يلاحظهم أحد — وغالباً ما يحدث ذلك للإيمان أيضاً — يتطلب الأمر زرع الحضور، والترابط، والرحمة في كل ما هو خفي ويومي، وتجسيد الإنجيل في حياة حضرية يبدو فيها كل شيء سريعاً، لكن القلب يستمر في البحث عن الرب.