“أيها الأعزاء، إن الحقيقة تمر عبر الأشخاص، وبالنسبة لطلابكم، أنتم هؤلاء الأشخاص، المدعوون لكي يكونوا معلمين ذوي مصداقية لأنكم تحبون لله وتحبّونهم، ولكي تنقلوا القيم بدون بطولات زائفة أو مواعظ أخلاقية، ولكي تقدموا نظرات ترفع المعنويات، وتكونوا شهوداً على ذلك الانسجام المتواضع والقريب الذي يجعل حتى المحتويات الأكثر صعوبة محببة ومرغوبة” هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته إلى المشاركين في اللقاء الوطني لمعلمي التربية الدينية الكاثوليكية
استقبل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح يوم السبت في قاعة بولس السادس بالفاتيكان المشاركين في اللقاء الوطني لمعلمي التربية الدينية الكاثوليكية وللمناسبة وجّه الأب الاقدس كلمة رحّب بها بضيوفه وقال أحييكم بمودة وأشكركم على حضوركم وعلى خدمتكم الثمينة التي تؤدونها في المدرسة. إن عملكم ملزم، وغالباً ما يكون صامتاً وغير مبهرج، ومع ذلك فهو بالغ الأهمية لنمو الكثير من الأطفال والفتية والشباب. إن البُعد الديني، في الواقع، “هو عنصر تأسيسي في الخبرة البشرية ولا يمكن تهميشه في عملية تنشئة الأجيال الجديدة”.
تابع الأب الأقدس يقول كتب القديس أوغسطينوس: “إنَّ الإنسان، تلك الذرة من خليقتك، يريد أن يسبحك [يا الله]. أنت الذي تحفزه على الابتهاج بتسبيحك، لأنك خلقتنا لك، وقلبنا سيبقى قلقاً حتى يرتاح فيك […]. ليتني أبحث عنك يا رب وأنا أدعوك، وأدعوك وأنا أؤمن بك”. لقد كان يتحدث عن بحث داخلي ارتبطت به دائماً، في الكائن البشري، الأسئلة الكبرى حول الحياة، والعلاقة مع الله، ومع الخليقة ومع الآخرين، حيث يمكن للعطش إلى اللامتناهي، المتأصل في كل شخص، أن يصبح طاقة لتعزيز السلام، وتجديد المجتمع، وملء تناقضاته.
أضاف الحبر الأعظم يقول في هذا السياق، تعد خدمتكم -التي هي تعبير عن عناية الكنيسة بالأجيال الجديدة- بمثابة منصة انطلاق يتعلم منها الفتية والشباب الغوص في مغامرة الحوار الداخلي الساحرة، وهي تشكل بذلك عنصراً لا غنى عنه في ذلك “التحالف التربوي” الذي تشتد الحاجة إليه اليوم. ولكن ليس هذا فحسب، بل إن تعليم التربية الدينية الكاثوليكية هو مادة ذات قيمة ثقافية كبيرة، وهي مفيدة لفهم الديناميكيات التاريخية والاجتماعية، فضلاً عن تعابير الفكر والإبداع والفنون التي شكَّلت ولا تزال تصيغ وجه إيطاليا وأوروبا والعديد من بلدان العالم.
تابع الأب الأقدس يقول كل هذا يدخل في صلب دروسكم، على ضوء تعليم الكنيسة الدائم والمتجدد، وفي حوار مع ميادين المعرفة والبحث الديني الأخرى، ولا سيما في دراسة صفحات الكتاب المقدس التي لا تنضب، والتي من خلالها نعرف المسيح، ابن الله الذي صار إنساناً، وإعلان وجه الآب والنموذج الأمثل للإنسانية. هكذا تجعلون ما قد يبقى غامضاً ومبهماً متاحاً للأجيال الجديدة، في ظل الاحترام الكامل لحرية كل فرد، مظهرين كيف أن العلمانية الحقيقية لا تقصي الواقع الديني، بل تعرف كيف تثمنه كمورد تربوي. وهذا، علاوة على ذلك، جزء من موقف أوسع، لا غنى عنه لكل حوار، في المدرسة كما في المجتمع: أن يعرف المرء ويحب ما هو عليه، لكي يعرف كيف يلتقي بالآخر باحترام وانفتاح. وعلى ضوء ذلك، أود أن أشارككم بعض التأملات العزيزة على قلبي.
أضاف الحبر الأعظم يقول لقد اخترتم للقائكم الوطني الثالث عنوان: “القلب يخاطب القلب”، ” Cor ad cor loquitur ” مستلهمين من شعار القديس جون هنري نيومان، ملفان الكنيسة وشفيع عالم التربية والتعليم. تتضمن هذه الكلمات مقترحاً لمسيرة تكون فيها الحقيقة هي الغاية، والعلاقة الشخصية هي الطريق للوصول إليها. وهي تلزمكم، من خلال التعليم، بمساعدة الشباب على التعرف على صوت يتردد في أعماقهم، لكي لا يدفنوه أو يخلطوا بينه وبين الضجيج المحيط بهم. في عصر نعيش فيه محاصرين باستمرار بمحفزات من كل نوع، من السهل جداً إسكات ذلك الصوت. لذا، فإن التربية على سماعه أو استعادته هي إحدى أعظم العطايا التي يمكن تقديمها للأجيال الجديدة. لا يمكن للإنسان أن يعيش بدون حقيقة ومعانٍ أصيلة، والشباب، حتى لو بدا عليهم الخمول أو عدم الاكتراث أحياناً خلف قناع من اللامبالاة الظاهرية، إلا أنّهم في الواقع غالباً ما يخفون قلق ومعاناة من “يشعرون أكثر من اللازم” وبكثافة شديدة، بدون أن يتمكنوا من تسمية ما يختبرونه.
تابع الأب الأقدس يقول إن “صناعة المدرسة” تعني، إذاً، تنشئة الأشخاص على الإصغاء للقلب، ومن ثمَّ على الحرية الداخلية والقدرة على التفكير النقدي، وفق ديناميكيات لا يتجاهل فيها الإيمان والعقل أحدهما الآخر، ولا يتواجهان، بل يكونان رفيقي درب في البحث المتواضع والصادق عن الحقيقة. لهذا السبب، تتطلب التربية صبر الزارع بدون استعجال النتائج الفورية، مع احترام أوقات نمو الشخص. وبشكل خاص – كما يعلمنا نيومان – تتطلب المحبة.
أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الأعزاء، إن الحقيقة تمر عبر الأشخاص، وبالنسبة لطلابكم، أنتم هؤلاء الأشخاص، المدعوون لكي يكونوا معلمين ذوي مصداقية لأنكم تحبون لله وتحبّونهم، ولكي تنقلوا القيم بدون بطولات زائفة أو مواعظ أخلاقية، ولكي تقدموا نظرات ترفع المعنويات، وتكونوا شهوداً على ذلك الانسجام المتواضع والقريب الذي يجعل حتى المحتويات الأكثر صعوبة محببة ومرغوبة. إنَّ طلابكم ليسوا بحاجة إلى أجوبة جاهزة، بل إلى القرب والنزاهة من جانب بالغين يقفون إلى جانبهم بسلطة أدبية ومسؤولية بينما يواجهون أسئلة الحياة الكبرى. وسوف يتذكرون عيون وكلمات الذين عرفوا كيف يلمحون فيهم هبة فريدة، والذين أخذوهم على محمل الجد، والذين لم يخشوا مشاركتهم جزءاً من الدرب، مظهرين بدورهم أنهم رجال ونساء يبحثون، ويفكرون، ويعيشون، ويؤمنون. كل هذا، طبعاً، دون الانتقاص من ضرورة الكفاءة الصلبة، الممزوجة بالشغف بالدراسة، والدقة الثقافية، والاستعداد التربوي، لأن تعليم التربية الدينية الكاثوليكية يتطلب أيضاً مواكبة الحداثة، والتخطيط، واللجوء إلى لغات ملائمة.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر كلمته بالقول إن المدرسة اليوم تواجه تحديات مأساويّة ومثيرة في آن واحد. لهذا السبب، فإن الكنيسة التي تسير معكم، ترسلكم إليها “كخدام لعالم التربية، ومنسقين للرجاء، وباحثين لا يكلون عن الحكمة، وصناعاً ذوي مصداقية لتعبيرات الجمال”. أشكركم وأشجعكم على الثبات في هذا الالتزام، فيما أكلكم إلى شفاعة العذراء مريم والقديسين والقديسات المربين. أذكركم في صلاتي وأمنحكم من كلِّ قلبي فيض البركة الرسولية، التي أشمل بها عائلاتكم وطلابكم وجميع أحبائكم. شكراً لكم!
البابا يستقبل المشاركين في اللقاء الوطني لمعلمي التربية الدينية الكاثوليكية






