البابا لاوُن الرابع عشر يلتقي الجماعة الكاثوليكية في إمارة موناكو

كان كون يسوع شفيعنا عند الله نقطة انطلاق قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في عظته خلال لقائه الجماعة الكاثوليكية في موناكو في كاتدرائية الحبل بلا دنس، حيث تأمل في الشركة وإعلان الإنجيل دفاعا عن الإنسان.
في إطار زيارته الرسولية إلى إمارة موناكو التقى قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في كاتدرائية الحبل بلا دنس قبل ظهر يوم السبت الجماعة الكاثوليكية حيث أقيمت صلاة الساعة الوسطى. وفي بداية عظته ذكَّر البابا بكلمات القديس يوحنا في رسالته الأولى بأن لنا شفيعا عند الله وأمامه وهو يسوع المسيح البار، وأضاف أن الرسول يريد بهذه الكلمات مساعدتنا على فهم سر الخلاص. ففي هشاشتنا وبينما يثقلنا عبء الخطيئة غير قادرين على أن نعانق بقوانا وحدها ملء الحياة والسعادة، جاء إلينا الله ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح والذي وكما قال يوحنا الرسول وكما كفارة أخذ على عاتقه شر الإنسان والعالم، وحمله معنا ومن أجلنا واجتازه محولا إياه وحررَنا إلى الأبد.
وعقب تحية الجميع بدءً بالحديث عن مركزية المسيح وإعرابه عن سعادته لتواجده معهم ومشاركتهم مسيرتهم الكنسية، قال البابا لاوُن الرابع عشر إنه انطلاقا من النظر إلى يسوع كشفيع لنا يريد أن يقدم بعض التأملات. وتحدث أولا عن عطية الشركة وقال إن يسوع المسيح البار وبشفاعته للبشرية عند الآب يصالحنا معه وفيما بيننا. فالمسيح لم يأتِ لإصدار أحكام تدين بل ليقدم للجميع رحمته التي تُطهر وتشفي وتُحوِّل وتجعلنا جزءً من عائلة الله الواحدة. وأضاف البابا أن عطف المسيح ورحمته يجعلانه شفيعا يدافع عن الفقراء، لا لمسايرة الشر بل كي يحررهم من الظلم والعبودية ويجعلهم أبناء الله وأخوة فيما بينهم. وسلط البابا لاوُن الرابع عشر الضوء هنا على أن ما قام به يسوع من أفعال لم يقتصر على شفاء الأشخاص جسديا وروحيا بل يتضمن أيضا بعدا اجتماعيا وسياسيا هاما، فمن يُشفى يعاد دمجه بكل كرامته في الجماعة الإنسانية والدينية التي استُبعد منها غالبا بسبب مرضه أو خطيئته.
إن هذه الشركة هي بامتياز علامة للكنيسة المدعوة إلى أن تكون للعالم انعكاسا لمحبة الله الذي لا يراعي ظاهر الناس، قال قداسة البابا وأضاف أن الكنيسة في إمارة موناكو لديها غنى كبير أي كونها مكانا، واقعا يجد فيه الجميع الاستقبال والضيافة في ذلك المزيج الاجتماعي والثقافي الذي هو صفة مميزة لكم، قال للحضور. وتابع الأب الأقدس أن إمارة موناكو هي دولة صغيرة يسكنها بشكل متنوع مَن هم من موناكو ومَن هم فرنسيون وإيطاليون وأشخاص من جنسيات أخرى كثيرة. وتحدث البابا عن دولة كوزموبوليتانية صغيرة توجد فيها إلى جانب التنوع في الأصول اختلافات أخرى ذات طابع اجتماعي اقتصادي. وتابع قداسته أن هذه الاختلافات لا تصبح أبدا في الكنيسة عنصر تقسيم إلى طبقات اجتماعية بل على العكس يتم استقبال الجميع كأشخاص وأبناء الله، ويتلقى الجميع عطية نعمة تشجع الشركة والأخوّة والمحبة المتبادلة. وواصل البابا لاوُن الرابع عشر أن هذه هي العطية التي تأتي من المسيح، شفيعنا لدى الآب، فجميعنا قد اعتمدنا فيه ولهذا وحسبما يؤكد القديس بولس “لَيسَ هُناكَ يَهودِيٌّ ولا يونانِيّ، ولَيسَ هُناكَ عَبْدٌ أَو حُرّ، ولَيسَ هُناكَ ذَكَرٌ وأُنْثى، لأَنَّكم جَميعًا واحِدٌ في المسيحِ يسوع” (غلاطية ٣، ٢٨).
وتابع البابا لاوُن الرابع عشر أن هناك عاملا ثانيا يرى من الضروري التشديد عليه، ألا وهو إعلان الإنجيل دفاعا عن الإنسان. وقال قداسته في هذا السياق إن يسوع، راغبا في أن يستقبل الجميع بشرى محبة الآب السارة، يختار ان يكون شفيعا بشكل خاص دفاعا عمن كان يُنظر إليهم وكأنهم متروكون من الله ويُعتبرون منسيين ومهمشين، فقد جعل يسوع نفسه صوت ووجه الله الرحوم الذي “يُجْري البِرَّ والحَقَّ، لِجَميعِ المَظْلومين” (مز ١٠٣، ٦).
وواصل الأب الأقدس أنه يفكر بالتالي في كنيسة مدعوة إلى أن تكون شفيعة، أي أن تدافع عن الإنسان، كل الإنسان وكل البشر. وأضاف أن هذه هي مسيرة تمييز نقدي ونبوي يسعى إلى تعزيز تنمية متكاملة للبشرية تحترم كرامتها وهويتها الأصيلة، وأيضا الغاية النهائية التي تشير إلى سر شركة كاملة مع الله الثالوث وفيما بيننا.
هذه هي الخدمة الأولى التي على إعلان الإنجيل أن يقدمها، قال البابا لاوُن الرابع عشر، أن ينير الشخص البشري والمجتمع كي يكتشفا، في نور المسيح وكلمته، هويتهما، معنى الحياة البشرية، قيمة العلاقات والتضامن الاجتماعي، الهدف النهائي للحياة ومصير التاريخ. وأراد الأب الأقدس من هذا المنطلق تشجيع الحضور على تقديم خدمة شغوفة وسخية في البشارة، وتابع: اعلنوا إنجيل الحياة والرجاء والمحبة، احملوا إلى الجميع نور الإنجيل من أجل حماية وتعزيز حياة كل رجل وكل امرأة منذ الحبل بها حتى نهايتها الطبيعية، قدموا خرائط توجيه جديدة قادرة على كبح توجهات العلمنة التي تهدد بدفع الإنسان إلى الفردانية وبتأسيس حياة المجتمع على إنتاج الثراء.
أشار الأب الأقدس بعد ذلك إلى أهمية أن يتنبه إعلان الإنجيل وأشكال الإيمان، المتجذرة في هويتكم ومجتمعكم قال البابا، إلى خطر التحول إلى عادات وإن كانت جيدة، فالإيمان الحي هو دائما نبوي، قادر على إثارة تساؤلات وتحفيزات: هل ندافع بالفعل عن الكائن البشري؟ هل نحمي كرامة الشخص بحراسة الحياة في كل مراحلها؟ هل هو بالفعل عادل ويتسم بالتضامن النموذج الاقتصادي والاجتماعي السائد؟ هل تسكنه أخلاقيات المسؤولية التي تساعدنا على” تجاوز منطقِ تبادلِ السلعِ المتكافئةِ والسعي وراءَ الأرباح لذاتها” (راجع الرسالة العامة “المحبة في الحقيقة” ٣٨) من أجل بناء مجتمع أكثر عدلا؟
شدد البابا لاوُن الرابع عشر بعد ذلك على أن جعل نظرتنا ثابتة على يسوع المسيح شفيعنا عند الآب يخلق إيمانا متجذرا في العلاقة الشخصية معه، إيمانا يصبح شهادة قادرا على تغيير الحياة وتجديد المجتمع. وواصل الأب الأقدس أن هذا الإيمان هو في حاجة إلى أن يُعلن بأدوات ولغات جديدة، من بينها تلك الرقمية أيضا، ويجب تكوين الجميع على استخدامها باستمرارية وإبداع، وينطبق هذا بشكل خاص على المنفتحين على لقاء الله، الموعوظين الجدد والعائدين إلى الإيمان، قال البابا ودعا إلى الاهتمام بهؤلاء بشكل خاص. ثم ختم قداسته سائلا أن أن تلهمهم شفيعتهم القديسة البتول والشهيدة ديفوتا بمَثلها، كما وتضرع كي تشفع لهم مريم كلية القداسة دائما في مسيرتهم.