يحلّل عالم الاجتماع نيستور دا كوستا، في مقابلة مع موقع فاتيكان نيوز، خصوصيّة الواقع الديني في الأوروغواي، حيث يتعايش الإيمان بالله مع ضعف الانتماء إلى المؤسسات الدينية. ويرى أنّ زيارة البابا تتيح فرصة لتجديد الحوار بين الكنيسة والمجتمع، والمضيّ نحو علمانيّة أكثر انفتاحًا، تحترم الحرية الدينية والحضور العلني للجماعات المؤمنة.
تستعدّ الأوروغواي لاستقبال البابا لاوُن الرابع عشر في سياقٍ خاصّ داخل أميركا اللاتينية. ففي قارة لا يزال فيها الإيمان المسيحي يحظى بحضور اجتماعي وثقافي ملحوظ، يقدّم هذا البلد الواقع على ضفاف نهر لا بلاتا واقعًا مختلفًا، يتميّز بتقليدٍ طويل من العلمنة، وبفصلٍ واضح بين الكنيسة والدولة، وبممارسة دينية غالبًا ما تبقى على هامش المؤسسات. غير أنّه، خلف الإحصاءات والصورة التي تُظهر الأوروغواي كأحد أكثر بلدان المنطقة علمانيّة، تكمن حقيقة أقلّ ظهورًا: فما زال كثيرون يؤمنون بالله، وإن كانوا لا يشاركون بانتظام في جماعة دينية، ولا يعتبرون أنفسهم منتمين إلى كنيسة. وتعيد الزيارة الرسولية المقبلة للبابا لاون الرابع عشر، وهي الثالثة التي يقوم بها حبر أعظم إلى البلاد بعد زيارتي يوحنا بولس الثاني عامَي ١٩٨٧ و١٩٨٨، هذه المسائل إلى صدارة النقاش العام. ويرى نيستور دا كوستا، الحائز على دكتوراه في علم الاجتماع والعلوم السياسية، والأستاذ في الجامعة الكاثوليكية في الأوروغواي، والباحث المتخصص في علم اجتماع الدين، أنّ هذه الزيارة يمكنها أن تشكّل فرصة مهمّة لفهم مكانة الإيمان في المجتمع الأوروغوياني بصورة أفضل. ويشرح دا كوستا لـموقع فاتيكان نيوز: “منذ الإعلان الأول عن إمكانية القيام بالزيارة، أخذت التوقّعات تتزايد تدريجيًا، ولا سيّما في الأوساط الكاثوليكية، ولكن أيضًا لدى قطاعات أخرى من السكان”. ويضيف أنّ تأكيد الزيارة أثار حراكًا واسعًا وأجواءً من الفرح تجاوزت حدود الجماعة الكاثوليكية.
لفهم خصوصية الأوروغواي، لا بدّ من العودة إلى القرنين التاسع عشر والعشرين. ويشير دا كوستا إلى أنّ التركيبة الديموغرافية للبلاد، التي تأثّرت بوصول أعداد كبيرة من المهاجرين الأوروبيين، أسهمت في تشكيل مجتمع يختلف عن مجتمعات بلدان أخرى في أميركا اللاتينية. يُضاف إلى ذلك مشروع سياسي وثقافي تأثّر بالعقلانية والفكر الفرنسي، وسعى إلى تحديث المؤسسات وإبعاد الدين عن مركز الحياة العامة. وقد خلّفت هذه العملية نتائج ملموسة؛ إذ انتقلت إدارة المقابر من السلطة الكنسية إلى الدولة، وأُقرّ وجوب إجراء الزواج المدني قبل الزواج الديني، وفي عام ١٩١٨، كُرّس الفصل بين الكنيسة والدولة دستوريًا. كذلك تغيّرت اللغة المستخدمة في الحياة اليومية. فأصبح الخامس والعشرون من كانون الأول يُسمّى رسميًا “يوم العائلة”، والسادس من كانون الثاني “يوم الأطفال”، فيما أُطلق على أسبوع الآلام اسم “أسبوع السياحة”. كما استبدلت بلدات عديدة أسماءها ذات الأصول الدينية بتسميات علمانية.
وإلى جانب الإصلاحات القانونية، يشدّد دا كوستا على ترسّخ ذهنية ثقافية أخذت تنظر إلى الدين باعتباره شأنًا خاصًا، لا مكان له في الفضاء العام. ويقول: “كان هناك مشروع ثقافي يعتبر الدين تخلّفًا وخضوعًا، ويرى أنّه ينبغي إزالته من أسس الأوروغواي”. وفي هذا السياق، يميّز عالم الاجتماع بين الفصل المؤسساتي الضروري بين الكنيسة والدولة، وبين تفسير أكثر تقييدًا للعلمانية، يرى أنّه ينبغي إقصاء التعبيرات الدينية عن الحياة العامة. وعلى الرغم من إقراره بأنّ هذه الذهنية فقدت بعضًا من صرامتها، إلا أنّه يحذّر من أنّها لا تزال قائمة في بعض قطاعات المجتمع. ويرى أنّ الجدل الذي رافق الإبقاء على الصليب الذي أُقيم خلال الاحتفال الذي ترأسه القديس البابا يوحنا بولس الثاني عام ١٩٨٨، يشكّل مثالًا على التوترات التي قد يثيرها وجود الرموز الدينية في الأماكن العامة المشتركة. وحتى المبادرات الرامية إلى إقامة حوار بين الدولة والجماعات الدينية قد تواجه مقاومة عندما تجعل هذا التعاون ظاهرًا للعيان.
لا يمكن فهم العلمنة في الأوروغواي انطلاقًا من تراجع الممارسة الدينية أو الانتماء إلى المؤسسات الدينية فحسب. ومن أبرز الجوانب التي يراها دا كوستا مهمّةً المسافة التي قد تفصل بين المعتقدات الشخصية والمشاركة في حياة الكنيسة. ويشرح قائلًا: “هناك عدد كبير من المؤمنين الذين يبتعدون عن المؤسسات الدينية، لكنهم يواصلون الإيمان بالله”. وتساعد هذه الحقيقة على فهم سبب إمكان إثارة وصول البابا الاهتمام والتأثّر أيضًا لدى أشخاص لا يعتبرون أنفسهم كاثوليك ملتزمين بالممارسة الدينية. ويتجلّى هذا الواقع بطرق مختلفة. ففي بعض الحالات، يُعبَّر عن الإيمان من خلال زيارة المزارات المريمية، مثل المزارات المكرّسة لسيدة لورد أو لعذراء الثلاثة والثلاثين. وفي حالات أخرى، يبقى الإيمان في المجال الحميم والشخصي، من دون وساطة مؤسساتية أو مشاركة منتظمة في الاحتفالات الجماعية. ويطلق دا كوستا على هذا البُعد تسمية “الدين المعاش”، أي الطريقة الملموسة التي يُدخل بها الأشخاص معتقداتهم وروحانيتهم وبحثهم عن التعالي في حياتهم اليومية. ومن هذا المنظور، يبدو الواقع الديني في البلاد أكثر تعقيدًا مما تكشفه مؤشرات الانتماء الديني. ويلاحظ دا كوستا قائلًا: “إنّ التقوى الشعبية تتجلّى خارج حدود ما تريده المؤسسات الدينية أو تطمح إليه، لأنّها جزء من الخبرة الدينية التي يعيشها الأشخاص”. وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة عند محاولة فهم كيفية استقبال البابا. فالزيارة قد تجمع أولئك الذين يجدون في الكنيسة جماعة ينتمون إليها، ولكنها قد تجذب أيضًا أشخاصًا يحافظون على علاقة شخصية أكثر مع الله، ويرون في الحبر الأعظم مرجعًا روحيًا.
هذا ولا تقتصر التوقّعات المرتبطة بالبابا لاوُن الرابع عشر على كونه قائدًا دينيًا. ويشير دا كوستا إلى الصدى الإيجابي الذي يمكن أن تلقاه في الأوروغواي دعوات البابا إلى السلام، وكذلك اهتمامه بالفقراء والعدالة واستقبال الآخرين. ففي عالم تمزّقه الحروب والنزاعات، يمكن لالتزام البابا بالسلام أن يجد صدًى يتجاوز الحدود الدينية. ويؤكّد عالم الاجتماع أنّ “المسألة لا تخصّ الكاثوليك وحدهم”، مشيرًا إلى وجود استعداد إيجابي لاستقبال الحبر الأعظم لدى شرائح مختلفة من السكان. وتمثّل الزيارة أيضًا فرصة للمجتمع الأوروغوياني كي يلتقي بتعبير علني عن الإيمان، يشغل عادةً حيّزًا محدودًا في النقاش العام. ويرى دا كوستا أنّ تأثيرها قد يكون مهمًا تحديدًا بسبب التباين بين الثقافة العلمانية في البلاد وحضور شخصية دينية ذات تأثير عالمي. ومن هذا المنطلق، لن تتيح الرحلة مراقبة ردود فعل الكاثوليك فحسب، بل ستكشف أيضًا كيف يستقبل مجتمع تعدّدي بابا، وما الجوانب التي يمكن أن تثيرها رسالته من تساؤلات أو تجاوب أو أشكال جديدة من الحوار.
كما تواجه الكنيسة الكاثوليكية في الأوروغواي، في الوقت نفسه، تحدّيات مهمّة في نقل الإيمان. ويحذّر دا كوستا من صعوبة التواصل مع الشباب، ولا سيّما في الأوساط الشعبية، حيث يبقى حضور الشباب في بعض الجماعات الرعوية محدودًا. ولا تكمن المشكلة في تحسين طريقة نقل العقيدة فحسب، بل في فهم جيلٍ يبحث عن معنى الحياة والتعالي في ظروف ثقافية تختلف عن تلك التي عاشتها الأجيال السابقة. إنّ وجود مؤمنين بعيدين عن المؤسسات يطرح أمام الكنيسة تحدّي إيجاد سبل للقاء والمرافقة، لا تنطلق من افتراض وجود انتماء سابق إليها. وقد تسهم زيارة البابا في تعزيز هذه الصلة، لكنّ عالم الاجتماع يتجنّب استباق النتائج، إذ إنّ العلاقة بين الإيمان والأجيال الشابة والمؤسسات معقّدة إلى حدّ لا يسمح بتقديم إجابات فورية. ويذكّر دا كوستا أيضًا بأنّ حوار الكنيسة مع المجتمع لم يبدأ مع هذه الزيارة. فالجماعات الكاثوليكية تقوم بأعمال اجتماعية، وتتعاون مع الهيئات العامة، وتحافظ على حضور يومي، ولا سيّما في المناطق الداخلية من البلاد. أمّا ما لا يزال يثير الجدل، بحسب شرحه، فهو التعبير العلني والرسمي عن هذه المساهمة.
وبالنظر إلى المستقبل، يرى دا كوستا أنّ هناك إمكانية لتطوّر طريقة فهم العلمانية في الأوروغواي. ولا يتعلّق الأمر بالتشكيك في الفصل بين الكنيسة والدولة، بل بالمضيّ نحو ثقافة تسمح بالاعتراف بمساهمة الأديان في المجتمع، من دون تحويلها إلى مؤسسات تتمتّع بامتيازات خاصة، أو فرض معتقداتها على الآخرين. ويلحظ عالم الاجتماع مؤشرات على هذا التحوّل في مبادرات التعاون بين السلطات العامة والجماعات الدينية، ولا سيّما في مجالات مثل الوقاية من الإدمان ومرافقة الأشخاص الذين يمرّون بظروف هشاشة وضعف. وعلى الرغم من أنّ هذه التجارب لا تخلو من الانتقادات، إلا أنها تفتح مجالات للتعاون كان يصعب تصوّرها قبل عقود. ويقول: “إذا أسهمت زيارة البابا لاون في تحقيق تنسيق أفضل لحضور الدين داخل المجتمع، وفي تعزيز الاحترام الثقافي له، فسيكون ذلك إنجازًا عظيمًا”. ويضيف إلى هذه التطلّعات تعزيز المبادرات المخصّصة لخدمة الفقراء، وهو بُعد يراه ذا أهمية خاصة في برنامج الزيارة. فشهادة كنيسة قريبة من المتألّمين يمكنها أن تقدّم مساهمة ملموسة للمجتمع، وأن تجدّد، في الوقت نفسه، حياة الجماعات الكاثوليكية نفسها.
ستستقبل الأوروغواي البابا لاوُن الرابع عشر بتاريخ يختلف عن تاريخ قسم كبير من بلدان أميركا اللاتينية المجاورة لها. فتقليدها العلماني لا يلغي البحث الروحي، تمامًا كما أنّ الإيمان الشخصي لا يتحوّل بالضرورة إلى انتماء ديني مؤسساتي. وبين هذين الواقعين، تنفتح مساحة للقاء يمكن للزيارة أن تسهم في إلقاء الضوء عليها.
البابا لاوُن الرابع عشر في الأوروغواي: تحدّي استعادة الإيمان في مجتمعٍ علمانيّ






