البابا في حوار صريح مع كهنة روما: لا للعظات المُعدّة بالذكاء الاصطناعي

اتّسم الحوار الذي جمع البابا لاون الرابع عشر بإكليروس أبرشية روما، يوم الخميس 19 شباط 2026، بالصراحة والانفتاح. وبعد إلقائه كلمته، دخل الأب الأقدس في جلسة أسئلة وأجوبة مع الكهنة، نُشر مضمونها في اليوم التالي، الجمعة 20 شباط.
وقد تضمّن اللقاء أربع مداخلات وأجوبة، غير أنّ القضايا المطروحة كانت متشعّبة، تراوحت بين الإرشاد الروحي، وتوجيهات عملية للخدمة والكرازة الرعوية، وصولًا إلى توصيات محدّدة، من بينها التنبيه إلى عدم إعداد العظات بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
أن يكون الكاهن قدوة للشباب
افتُتح الحوار، الذي جرى خلف أبواب مغلقة، بكلمة للكاردينال بالدو رينا، النائب العام لأبرشية روما، قدّم فيها أربعة كهنة يمثّلون أربع فئات عمرية مختلفة طُلب منهم طرح الأسئلة. وكان من بينهم كاهن شاب سامه البابا لاون في أيار الماضي، فسأل عن كيفية تمكّن الكهنة الشباب من مرافقة أقرانهم في عالم اليوم.
في إجابته، حثّ البابا لاون الرابع عشر الكهنة أولًا على إبقاء “أعينهم مفتوحة” على واقع العائلات التي ينحدر منها كثير من الشباب، وهي عائلات مرّت أحيانًا بأزمات خطيرة جدًا، من غياب أحد الوالدين أو حالات الطلاق والزواج الثاني.
وأشار إلى أنّ العديد من الشباب “اختبروا أيضًا خبرة التخلّي”، ولذلك ينبغي على الكاهن أن “يعرف واقعهم” معرفة حقيقية. وأضاف: “كونوا قريبين منهم بهذا المعنى، رافقوهم، لكن لا تكونوا مجرّد واحدٍ من الشباب”. وأكّد في هذا السياق أنّ “شهادة الكاهن” أساسية، لأنها تقدّم “نموذج حياة” واضحًا.
العزلة وحياة مقلقة
ودعا البابا الكهنة إلى عدم الاكتفاء بالشباب الذين لا يزالون يرتادون الرعية، بل إلى المبادرة قائلاً: “علينا أن ننظّم ونفكّر ونبحث عن مبادرات تشكّل وسيلة للتواصل معهم”. وأضاف: “يجب أن نذهب نحن إليهم، أن ندعو شبابًا آخرين، أن نخرج معهم إلى الشوارع؛ وربما نقدّم مسارات مختلفة”، مشيرًا إلى أنشطة كالرّياضة والفنون والثقافة.
وبيّن أنّ معرفة الآخر هي العنصر الأساسي في العمل الرعوي، وهذه المعرفة تنمو من خلال “خبرة إنسانية من الصداقة” مع شباب “يعيشون في عزلة ووحدة قاسية”. ولفت إلى أنّ هذه الوحدة تفاقمت بعد الجائحة، كما تعمّقت بفعل الاستخدام المكثّف للهواتف الذكية. وقال إنهم “يعيشون نوعًا من المسافة عن الآخرين، وبرودة في العلاقات، من دون أن يختبروا غنى وقيمة العلاقات الإنسانية الحقيقية”.
من هنا شدّد البابا على ضرورة البحث عن سُبل تتيح للشباب اختبار “نوع آخر من الصداقة، والمشاركة، ثمّ تدريجيًا الشركة”، ومن هذه الخبرة يمكن “دعوتهم أيضًا إلى التعرّف إلى يسوع”. وأكد الأب الأقدس أنّ هذا المسار يتطلّب “وقتًا” و”تضحية”، لا سيّما وأنّ كثيرًا من هؤلاء الشباب عالقون اليوم في “حياة قاسية” تتّسم بالمخدّرات والجريمة والعنف.
معرفة الجماعة التي نخدمها
وأشار البابا لاون إلى أنّ القرب ومعرفة الآخر يشكّلان المسارين الأساسيين للخدمة الرعوية، وذلك في إجابته عن سؤال أحد كهنة الرعايا حول كيفية ممارسة خدمة فعّالة في ثقافة ما بعد الحداثة، من دون الوقوع في أساليب “عفا عليها الزمن”. وأوضح الأب الأقدس أنّ الخطوة الأولى تكمن في “معرفة الجماعة التي دُعيتُ إلى خدمتها معرفة حقيقية وعميقة”.
وشارك من خبرته الشخصية، إذ عاش في روما خلال مراحل مختلفة من حياته، ولاحظ أنّه في كل مرة كان يعود فيها إلى “المدينة الخالدة”، تبدو “الشوارع كما هي، والحفر كما هي، لكن الحياة تغيّرت كثيرًا”. كما استعاد زيارته الأخيرة، يوم الأحد 15 شباط، إلى إحدى الرعايا في حي أوستيا الجنوبي، مشدّدًا على أنّه “لكي نتحدّث إلى هؤلاء الناس، يجب أن نبدأ بمعرفة واقعهم بأكبر قدر ممكن من العمق”.
لا للعظات المُعدّة بالذكاء الاصطناعي
لذا، دعا البابا الكهنة إلى الانخراط في واقع الحياة الحقيقي، محذّرًا من مخاطر الاستخدام غير الواعي للذكاء الاصطناعي والإنترنت. ونبّه بصورة خاصة إلى “التجربة المتمثّلة في إعداد العظات بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي”.
وقال: “كما أنّ عضلات الجسد، إن لم تُستعمَل وتتحرّك، تموت؛ كذلك الدماغ يحتاج إلى تمرين. ينبغي تمرين ذكاءنا كي لا نفقد هذه القدرة”. وأضاف أنّ “إلقاء عظة حقيقية يعني مشاركة الإيمان”، مشدّدًا على أنّ الذكاء الاصطناعي “لن يكون قادرًا أبدًا على مشاركة الإيمان”.
وأوضح أنّ المؤمنين، حين تُقدَّم لهم خدمة متجذّرة في ثقافة المكان والرعية حيث يُخدَم، إنما يتطلّعون إلى رؤية “إيمانك أنت، وخبرتك في معرفة يسوع المسيح ومحبّته”.
خداعات العالم الرقمي
وفي هذا السياق، أكّد البابا لاون الرابع عشر أنّ “حياة الصلاة” أساسية، لا بوصفها مجرّد “ترديد للصلوات اليومية بأسرع ما يمكن”، بل كزمن يُعاش مع الرب. فالحياة المتجذّرة حقًا في الرب تُمكّن الكاهن من أن يقدّم شيئًا مختلفًا وأصيلاً.
وأشار إلى الوهم الذي قد يخلقه الإنترنت، ولا سيّما عبر منصّات مثل “تيك توك”، حيث يُخيَّل إلى البعض أنّهم يقدّمون ذواتهم ويحققون نجاحًا من خلال عدد “الإعجابات” و”المتابعين”. وأضاف: “هذا لستَ أنت. إذا لم نكن ننقل رسالة يسوع المسيح، فربما نحن مخطئون، وعلينا أن نفكّر بعمق وتواضع في مَن نكون وماذا نفعل”.
“الحسد الإكليريكي”
ومن بين النصائح الأخرى التي وجّهها البابا إلى الكهنة، الدعوة إلى عيش الأخوّة والصداقة فيما بينهم، وتنمية علاقات شخصية متينة داخل الإكليروس. لكنه حذّر من إحدى “الآفات” المنتشرة على مستوى الإكليروس العالمي، والتي سمّاها “الحسد الإكليريكي”.
وأوضح أنّ ذلك يظهر عندما يرى كاهنٌ زميلًا له قد دُعي إلى رعاية رعية أكبر أو أجمل، أو عُيّن في منصب معيّن، فبدل أن تُبنى جسور الصداقة، تنشأ الغيرة ويتفشّى الكلام السلبي. وقال: “نحن جميعًا بشر، لنا مشاعر وأحاسيس، ولكن ككهنة -وأرجو أن يبدأ ذلك منذ الإكليريكية- يمكننا أن نقدّم نموذج حياة يكون فيه الكهنة أصدقاء حقيقيين وإخوة، لا أعداء ولا غير مبالين بعضهم تجاه بعض”.
نماذج في الأخوّة الكهنوتية
في هذا السياق، استعاد البابا مثالًا “جميلاً” عن الأخوّة الكهنوتية في شيكاغو، مسقط رأسه، حيث قرّر عدد من الكهنة أن يلتقوا مرّة كل شهر، منذ أيام تنشئتهم في الإكليريكية. وقد استمرّ بعضهم على هذا التقليد حتى تجاوزوا التسعين من العمر، فكانوا يجتمعون للصلاة والدراسة والمشاركة الأخوية.
وشدّد البابا على أهمية الدراسة المستمرّة في حياة الكاهن قائلاً: “يجب أن يكون الدرس في حياتنا دائمًا ومتواصلًا. حين أسمع أحدهم يقول -وهذا حدث فعلًا- “لم أفتح كتابًا منذ خروجي من الإكليريكية”، أفكّر: يا للأسف، كم هو أمر محزن!”.
ثم دعا الكهنة إلى المبادرة والنشاط: “لا نخَف من أن نقرع باب بعضنا البعض، أن نأخذ المبادرة، أن نقول لرفاقنا أو لمجموعة أصدقاء: لماذا لا نلتقي بين الحين والآخر لندرس معًا، ونتأمّل معًا، ونقضي وقتًا في الصلاة، ثم نتشارك غداءً أخويًا؟ يمكن لخوري الرعية الذي يملك أفضل طاهٍ أن يدعو الآخرين!”. وفي الوقت عينه، أكّد ضرورة اختيار أشخاص يُنسَج معهم “رباط أخوي أعمق قليلًا”، أي خلق مساحات تساعد على كسر النزعة التي تقود إلى العزلة والانغلاق المتبادل.
الشيخوخة وقبول الصليب
وأوضح البابا أنّ مشاركة الأفراح والصعوبات والخبرات تُعين على تخطّي الأزمات، كما تهيّئ الإنسان لقبول المرحلة التي قد تأتي مع “الشيخوخة، والمرض، والوحدة”. وقال: “إذا عاش الإنسان حياته كلّها كمسيرة تتقدّم إلى الأمام، حتى مع ثقل السنين، وأحيانًا -سواء في الشباب أو الشيخوخة- مع الأمراض والصعوبات، فسيكون قادرًا، بنعمة الله، على قبول الصليب والآلام التي تأتي”.
وفي هذا الإطار، تطرّق أيضًا إلى مسألة القتل الرحيم، المطروحة في عدد من البلدان والمشرّعة في بعضها، مثل كندا. وتساءل قائلاً: “إذا كنّا نحن أنفسنا ننظر إلى حياتنا بنظرة سلبية، وأحيانًا مع معاناة أقل بكثير من تلك التي يحتملها كثيرون، فكيف يمكننا أن نقول لهم: لا، لا يمكنك أن تنهي حياتك، بل يجب أن تقبلها؟”.
الشهادة لقيمة الحياة
وأضاف البابا لاون الرابع عشر: “يجب أن نكون نحن أولًا شهودًا على أنّ للحياة قيمة عظيمة”. وشدّد على أنّ الامتنان والتواضع والقرب من الآخرين عناصر أساسية في هذه الشهادة. وقال: “لا بدّ أنّنا نعرف جميعًا شخصًا مسنًّا أو مريضًا -كاهنًا كان أم علمانيًا أم مكرّسًا- يعيش لحظات صعبة جدًا. فلنتصل بهم، ولنزرهم، ولنَبذل جهدًا لمساندة المتألّمين”.
كما دعا الكهنة إلى استعادة العادة الحسنة في حمل القربان الأقدّس ومسحة المرضى إلى أبناء الرعية المرضى. وأوضح: “اليوم، مع قلّة الكهنة وكثرة المسنّين، يُقال أحيانًا: لنُرسل العلمانيين، فهم يقومون بذلك. إنها خدمة جميلة يقدّمها العلمانيون… لكن هذا لا يعني أن يبقى الكاهن في البيت يتابع الإنترنت فيما الآخرون يقومون بالزيارة”.
وفي ختام حديثه، توجّه البابا إلى الكهنة المسنّين أنفسهم قائلاً: “حتى وإن كانوا مرضى في فراشهم، إذا كانوا قد عاشوا حياة خدمة وتضحية حقيقية، فهم يدركون جيدًا أنّ صلاتهم أيضًا يمكن أن تكون خدمة عظيمة وعطيّة كبيرة. إنّ لحياتهم ما يزال معنى عميق وكبير”.