البابا: إنَّ كلمة الله تكشف لنا سر الله الذي لا ينضب!

“نعيش محاطين بكلمات كثيرة، ولكن كم من هذه الكلمات هي كلمات فارغة! أحياناً نسمع أيضًا كلمات حكيمة، لكنها لا تلمس مصيرنا الأخير. أما كلمة الله، فهي تأتي للقاء عطشنا للمعنى والحقيقة حول حياتنا” هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في مقابلته العامة مع المؤمنين
أجرى قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح يوم الأربعاء مقابلته العامة مع المؤمنين في قاعة بولس السادس بالفاتيكان واستهل تعليمه الأسبوعي بالقول في تعليمنا اليوم، سنتأمل حول الرابط العميق والحيوي القائم بين كلمة الله والكنيسة، رابط الذي عبر عنه الدستور العقائدي المجمعي حول الوحي الإلهي “Dei Verbum”، في فصله السادس. الكنيسة هي الموطن الطبيعي للكتاب المقدس. بإلهام من الروح القدس، ولد الكتاب المقدس من شعب الله، ووُجّه إليه. وفي الجماعة المسيحية يجد الكتاب المقدس، إذا جاز التعبير، “بيئته الحيوية”؛ ففي حياة الكنيسة وإيمانها في الواقع يجد الفسحة التي يكشف فيها عن معناه الخاص ويُظهر قوته.
تابع الأب الأقدس يقول يُذكرنا المجمع الفاتيكاني الثاني بأن “الكنيسة قد كرّمت دائماً الأسفار الإلهية كما كرّمت جسد الرب، وهي لا تكف أبداً، ولا سيما في الليتورجيا المقدسة، عن الاغتذاء بخبز الحياة من مائدة كلمة الله ومن مائدة جسد المسيح على السواء، وتقدمه للمؤمنين”. كذلك، فإن الكنيسة “قد اعتبرتها وتعتبرها دائماً، مع التقليد المقدس، القاعدة الأسمى لإيمانها”.
أضاف الحبر الأعظم يقول إن الكنيسة لا تتوقف أبداً عن التأمل حول قيمة الأسفار المقدسة. وبعد المجمع، كانت الجمعية العامة العادية لسينودس الأساقفة حول موضوع “كلمة الله في حياة الكنيسة ورسالتها” في تشرين الأول أكتوبر ٢٠٠٨، لحظة بالغة الأهمية في هذا الصدد. وقد جمع البابا بندكتس السادس عشر ثمار هذا السينودس في الإرشاد الرسولي “كلمة الرب”،”Verbum Domini” ، الذي صدر في ٣٠ أيلول سبتمبر ٢٠١٠، حيث أكد: “أنَّ الارتباط الجوهري بين الكلمة والإيمان يبرز بوضوح أن التفسير الأصيل للكتاب المقدس لا يمكنه إلا أن يكون ضمن إيمان الكنيسة، الذي يجد نموذجه في “نعم” مريم. […] إنّ المكان الأصلي لتفسير الكتاب المقدس هو حياة الكنيسة”.
تابع الأب الأقدس يقول وهكذا، يجد الكتاب المقدس في الجماعة الكنسية النطاق الذي يؤدي فيه مهمته الفريدة ويحقق غايته، ألا وهي: تعريف الآخرين بالمسيح وفتح باب الحوار مع الله. “إن جهل الكتب المقدسة – في الواقع – هو جهل للمسيح”. هذه العبارة الشهيرة للقديس إيرونيموس تذكرنا بالهدف الأسمى لقراءة الكتاب المقدس والتأمل فيه: معرفة المسيح، ومن خلاله، الدخول في علاقة مع الله، علاقة يمكن فهمها كحديث أو حوار. وقد قدم لنا الدستور حول الوحي الإلهي، الوحيَ كحوار، يتحدث فيه الله إلى البشر كأصدقاء. وهذا يحدث عندما نقرأ الكتاب المقدس بموقف داخلي من الصلاة: حينها يأتي الله للقائنا ويدخل في حديث معنا.
أضاف الحبر الأعظم يقول إن الكتاب المقدس، الذي أُوكل إلى الكنيسة والذي تحفظه وتفسره، يؤدي دوراً فاعلاً؛ فهو في الواقع بفعاليته وقوته يمنح الجماعة المسيحية الدعم والقوّة. إن جميع المؤمنين مدعوون للارتواء من هذا الينبوع، ولاسيما في الاحتفال بالإفخارستيا وسائر الأسرار. كما يجب أن يقود حب الكتب المقدسة والألفة معها كل من يقوم بخدمة الكلمة: من أساقفة وكهنة وشمامسة وأساتذة التعليم المسيحي. إنّ عمل المفسرين ودارسي العلوم البيبليّة هو عمل ثمين؛ كما أنّ مكان الكتاب المقدس هو محوريّ في اللاهوت، الذي يجد في كلمة الله أساسه وروحه.
تابع الأب الأقدس يقول إن ما ترغب فيه الكنيسة بشدة هو أن تصل كلمة الله إلى كل عضو فيها وتغذي مسيرة إيمانه. لكن كلمة الله تدفع الكنيسة أيضاً أبعد من ذاتها، وتفتحها باستمرار على الرسالة نحو الجميع. في الواقع نحن نعيش محاطين بكلمات كثيرة، ولكن كم من هذه الكلمات هي كلمات فارغة! أحياناً نسمع أيضًا كلمات حكيمة، لكنها لا تلمس مصيرنا الأخير. أما كلمة الله، فهي تأتي للقاء عطشنا للمعنى والحقيقة حول حياتنا. إنها الكلمة الوحيدة المتجددة على الدوام: فإذ تكشف لنا سر الله، الذي لا ينضب، هي لا تكف أبداً عن تقديم غناها.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر تعليمه الأسبوعي بالقول أيها الأعزاء، من خلال العيش داخل الكنيسة نتعلم أن الكتاب المقدس يرتبط تماماً بيسوع المسيح، ونختبر أن هذا هو السبب العميق لقيمته وقوته. إنّ المسيح هو كلمة الآب الحية، كلمة الله المتجسد. وجميع الأسفار المقدسة تعلن عن شخصه وحضوره المخلص، لكل واحد منا وللبشرية جمعاء. لنفتح إذاً قلوبنا وعقولنا لتقبل هذه العطية، في مدرسة مريم، أم الكنيسة.