“نحن بحاجة إلى مثال يسوع لنتعلم كيف نحب، ليس لأننا عاجزون عن ذلك، وإنما لكي نربي أنفسنا وبعضنا البعض على الحب الحقيقي ” هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في عظته مترئسًا قداس عشاء الرب عشيّة خميس الأسرار
بمناسبة خميس الأسرار ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر قداس عشاء الرب ورتبة غسل الأرجل عصر الخميس في بازيليك القديس يوحنا اللاتيران وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها تُدخلنا الليتورجيا المهيبة في هذه الأمسية في الثلاثية المقدسة لآلام الرب وموته وقيامته. نحن نعبر هذه العتبة لا كمتفرجين، ولا بدافع العادة، بل كمشاركين بدعوة خاصة من يسوع نفسه: كمدعوين إلى العشاء الذي يصير فيه الخبز والخمر لنا سر خلاص. فنحن نشارك في مأدبةٍ أحب فيها المسيح ” خاصته الذين في العالم، فبلغ به الحب لهم إلى أقصى حدوده”. لقد صار حبه بادرةً وطعاماً للجميع، كاشفاً عن عدالة الله. ففي هذا العالم، وحيث يستشري الشر، أحب يسوع بشكل نهائيٍّ، وإلى الأبد، وبكل كيانه.
تابع الأب الأقدس يقول خلال هذا العشاء الأخير، غسل يسوع أرجل رسله قائلاً: “قد جعلت لكم من نفسي قدوة لتصنعوا أنتم أيضا ما صنعت إليكم”. إن بادرة الرب تتحد كلياً مع المائدة التي دعانا إليها؛ فهي مثالٌ للسر: فبينما تؤكد معناه، تسلمنا مَهمةً نريد أن نتخذها غذاءً لحياتنا. لقد اختار الإنجيلي يوحنا الكلمة اليونانية”upódeigma” ليروي هذا الحدث الذي عاينه، وهي تعني “ما يُعرض أمام العين مباشرة”. فما يُرينا إياه الرب، بأخذه الماء والحوض والمئزر، هو أكثر بكثير من مجرد نموذج أخلاقي. هو يسلمنا “شكل حياته”: فغسل الأرجل هو فعلٌ يلخص إعلان الله، وعلامة مثالية للكلمة المتجسد، وذكرى لا تشوبها شائبة. وباتخاذه صورة العبد، يكشف الابن عن مجد الآب، محطماً المعايير الدنيوية التي تلوث ضمائرنا.
أضاف الحبر الأعظم يقول إلى جانب الدهشة الصامتة لتلاميذه، حتى الكبرياء البشري يجعلنا نفتح أعيننا على ما يحدث: فمثل بطرس الذي قاوم مبادرة يسوع في البداية، علينا نحن أيضاً أن “نتعلم دوماً ومجدّدًا أن عظمة الله تختلف عن فكرتنا عن العظمة، […] لأننا نرغب بشكل منهجي في إله للنجاح وليس إله للآلام”. تعترف كلمات البابا بندكتس هذه بوضوح بأننا نميل دائماً للبحث عن إله “يخدمنا”، إله يجعلنا ننتصر، ويكون مفيداً لنا كالمال والسلطة. لكننا لا نفهم أن الله يخدمنا حقاً، نعم، ولكن ببادرة مجانية ومتواضعة وهي غسل الأرجل: هذه هي قدرة الله. هكذا تتحقق الإرادة في تكريس الحياة لمن لا يمكنه أن يكون موجودًا بدون هذا العطاء. إنَّ الرب يجثو على ركبتيه ليغسل الإنسان، حباً به. وهذه العطيّة الإلهية تغيرِّنا.
تابع الأب الأقدس يقول ببادرته هذه في الواقع، يسوع لا يطهر صورتنا عن الله من عبادة الأصنام والتجديف التي لوثتها فحسب، بل يطهر صورتنا عن الإنسان؛ ذلك الإنسان الذي يظن نفسه قوياً عندما يسيطر، ويريد الانتصار من خلال قتل من هو مثله، ويظن نفسه عظيماً عندما يُهاب. لكنَّ المسيح، الإله الحق والإنسان الحق، يعطينا مثالاً للتفاني والخدمة والمحبة. نحن بحاجة إلى مثاله لنتعلم كيف نحب، ليس لأننا عاجزون عن ذلك، وإنما لكي نربي أنفسنا وبعضنا البعض على الحب الحقيقي. أن نتعلم أن نعمل مثل يسوع، العلامة التي طبعها الله في تاريخ العالم، هو مَهمة حياة بأكملها.
أضاف الحبر الأعظم يقول إنه المعيار الحقيقي، “المعلم والرب” الذي ينزع جميع أقنعة الإلهي والبشري. فهو لم يقدم مثاله هذا حين كان الجميع سعداء ويحبونه، بل في الليلة التي أُسلم فيها، في ظلام سوء الفهم والعنف، لكي يتضح تماماً أن الرب لا يحبنا لأننا صالحون وأطهار: بل يحبنا، ولذلك يغفر لنا ويطهرنا. إنَّ الرب لا يحبنا “إذا” سمحنا لرحمته أن تغسلنا، بل هو يحبنا، ولذلك يغسلنا، لكي نتمكن من أن نبادله محبّته.
تابع الأب الأقدس يقول لنتعلم من يسوع هذه الخدمة المتبادلة. فهو لا يطلب منا أن نرد له الجميل، بل أن نتقاسمه فيما بيننا: “يجب عليكم أنتم أيضا أن يغسل بعضكم أقدام بعض”. هكذا علق البابا فرنسيس: هذا “واجب ينبع من قلبي. أنا أحبه. أحب هذا وأحب القيام به لأن الرب هكذا علمني”. لم يكن يتحدث عن أمر مجرد، أو وصية شكلية وفارغة، بل كان يعبِّر عن حماسه الطائع لمحبّة المسيح، ينبوع ومثال محبتنا. فالمثال الذي أعطاه يسوع لا يمكن تقليده بدافع المصلحة، أو بفتور، أو برياء، وإنما بدافع الحب فقط.
أضاف الحبر الأعظم يقول وبالتالي فأن نسمح للرب بأن يخدمنا هو شرطٌ لكي نخدم كما فعل هو. “إذا لم أغسلك”، قال يسوع لبطرس، “فلا نصيب لك معي”: إن لم تقبلني كعبد، لا يمكنك أن تؤمن بي وتتبعني كرب. وبالتالي بغسله لجسدنا، طهَّر يسوع نفوسنا. وفيه، أعطى الله مثالاً لا في كيفية السيطرة، بل في كيفية التحرير؛ في كيفية بذل الحياة، لا في كيفية تدميرها.
تابع الأب الأقدس يقول لذا، وأمام بشريّة تركع بسبب أمثلة كثيرة من الوحشية، لنركع نحن أيضاً كإخوة وأخوات للمظلومين. هكذا نريد اتباع مثال الرب، من خلال تحقيق ما سمعناه من سفر الخروج: “ويكون هذا اليوم لكم ذكرى”. نعم، إنَّ التاريخ البيبلي بأسره يلتقي في يسوع، الحمل الفصحي الحقيقي. ومن خلاله تجد الرموز القديمة معناها الكامل، لأن المسيح المخلص يحتفل بفصح البشرية، ويفتح للجميع المعبر من الخطيئة إلى الغفران، ومن الموت إلى الحياة الأبدية: “هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم. اصنعوا هذا لذكري”.
أضاف الحبر الأعظم يقول وبتجديدنا لأفعال الرب وكلماته، نحن نحيي في هذا المساء ذكرى تأسيس سر الإفخارستيا وسر الكهنوت. إن الارتباط الجوهري بين هذين السرين يمثل العطيّة الكاملة ليسوع، الكاهن الأعظم والإفخارستيا الحية إلى الأبد: ففي الخبز والخمر المقدسين يكمن “سر الحب، علامة الوحدة، رباط المحبة، المأدبة الفصحية التي نقتبل فيها المسيح، وتمتلئ النفس بالنعمة، ويُعطى لنا عربون المجد الآتي”. وفي الأساقفة والكهنة، الذين أُقيموا “كهنة العهد الجديد” بحسب أمر الرب، نجد علامة محبته لشعب الله بأسره، الذي نحن مدعوون لخدمته، أيها الإخوة الأعزاء، بكل كياننا.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول لذلك، فإن خميس الأسرار هو يوم للامتنان المتَّقد وللأخوة الحقيقية. ليكن السجود للقربان المقدس في هذا المساء، في كل رعية وجماعة، وقفةً للتأمل في بادرة يسوع، فنجثو على ركبنا كما فعل هو، ونطلب القوة لكي نقتدي به في الخدمة بالمحبة عينها.
البابا: إنَّ المثال الذي أعطاه يسوع لا يمكن تقليده بدافع المصلحة وإنما بدافع الحب فقط






