الأب رفعت بدر لموقع أليتيا: المسيحيون سيبقون هنا على أرضهم

أكد الأب رفعت بدر، مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن، أن الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، لن يزعزع الحضور المسيحي في المملكة، مشددًا على أن المسيحيين متمسكون بأرضهم وبمواصلة رسالتهم في خدمة المجتمع الأردني، في إطار الشراكة التاريخية التي تجمعهم بإخوانهم المسلمين.
جاء ذلك في مقابلة موسعة أجراها معه موقع أليتيا الفرنسي، ونشرها الأربعاء 28 تشرين الأول 2026، بقلم الصحفية سيسيل سيفيراك، تناولت واقع المسيحيين في الأردن وجذور حضورهم التاريخي، وتداعيات الاعتداء الذي أودى بحياة تسعة أشخاص، إلى جانب التحديات الاجتماعية والاقتصادية والإقليمية التي تواجه المملكة ومستقبل الوجود المسيحي فيها.
حضور مسيحي متجذر في تاريخ الأردن
وأوضح الأب بدر أن المسيحيين ليسوا وافدين جددًا إلى الأردن، بل إن حضورهم متجذر في تاريخ هذه الأرض، ولا سيما منذ معمودية السيد المسيح في مياه نهر الأردن على ضفته الشرقية، كما تشهد بذلك المصادر الكتابية والتاريخية والأثرية. وأشار إلى أن المملكة تستعد للاحتفال عام 2030 بمرور ألفي عام على عماد السيد المسيح، لافتًا إلى أن القديس يوحنا المعمدان، الذي عمّد يسوع، يُعد شفيع الكنيسة في الأردن.
وقال إن المسيحيين، بعد نحو ألفي عام من هذا الحدث، ما زالوا يشاركون بفاعلية في مختلف مجالات الحياة، مؤكدًا أنهم لا ينظرون إلى وضعهم كأقلية عددية بوصفه مصدرًا للشعور بالنقص، بل يقيسون حضورهم بمقدار مساهمتهم في الخير العام.
وبيّن الأب بدر أن الأردن يضم إحدى عشرة جماعة كنسية معترفًا بها رسميًا، إلى جانب كنائس أخرى تنتظر الاعتراف، مشيرًا إلى أن الكنائس التاريخية والحديثة تشهد على استمرارية هذا الحضور، ومن بينها كنيسة معمودية السيد المسيح التي افتُتحت حديثًا على ضفاف نهر الأردن بحضور ممثلين عن قداسة البابا وجلالة الملك.
وتحدث عن الدور التربوي والثقافي والاجتماعي للمؤسسات المسيحية، موضحًا أن الكنائس تشرف على أكثر من مئة مؤسسة مدرسية، وأن مدارس البطريركية اللاتينية في القدس، التي يعود تاريخها إلى أكثر من 160 عامًا، أسهمت في تنشئة أجيال متعاقبة قبل تأسيس إمارة شرق الأردن.
كما أشار الأب بدر إلى مؤسسات التعليم العالي، ومنها الجامعة الأميركية في مادبا، والمراكز الثقافية والإعلامية، ومن بينها المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، فضلًا عن الدور الإنساني الذي تؤديه كاريتاس الأردن في خدمة المحتاجين والعائلات الفقيرة واللاجئين العراقيين والسوريين، ومساهمة الرهبانيات في القطاع الصحي.
وأكد أن المسيحيين حاضرون كذلك في المؤسسات الرسمية والجيش والأجهزة الأمنية والإعلام والاقتصاد، ولهم تمثيل في مجلسي النواب والأعيان، ويتولون مسؤوليات حكومية، مشددًا على أن المؤسسات المسيحية ليست حكرًا على المسيحيين، بل تخدم المجتمع بأسره، وتستقبل المدارس المسيحية أعدادًا كبيرة من الطلبة المسلمين، فيما يعمل المسيحيون والمسلمون معًا في مختلف المؤسسات.
ألم عميق وتضامن وطني واسع
وفي حديثه عن تداعيات الاعتداء على كنيسة القديس جاورجيوس، قال الأب بدر إنه زار بيت العزاء في بلدة حمود، حيث لمس الحزن العميق الذي يعيشه أبناء الضحايا وذووهم وزوجاتهم، مؤكدًا أن هذه المعاناة تدفع إلى التأمل في خطورة الإرهاب الذي يتعامل مع الحياة الإنسانية وكأنها بلا قيمة.
وأشار إلى أن الاعتداء استهدف مكانًا يجتمع فيه المؤمنون للصلاة بروح المحبة تجاه الجميع، وأن المأساة كانت أشد إيلامًا لوقوعها خلال مراسم جنازة. وأوضح أن الحادث أثار صدمة واسعة وموجة كبيرة من التضامن، لم تقتصر على المسيحيين، بل اتخذت طابعًا وطنيًا ومؤسسيًا شاركت فيه مختلف مكونات الدولة والمجتمع الأردني.
ولفت إلى زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني للمصابين وتقديم التعازي إلى عائلات الضحايا، وإلى مواقف جلالة الملكة رانيا العبدالله وسمو الأمير الحسين بن عبدالله وأفراد العائلة الهاشمية، فضلًا عن جهود الحكومة والأجهزة الأمنية في مواكبة العائلات المتألمة.
وقال إن أحدًا لم يكن يتصور وقوع مأساة كهذه في بلد مثل الأردن، مستذكرًا ما أشار إليه البابا لاون الرابع عشر خلال صلاة التبشير الملائكي بشأن وقوع الاعتداء في بلد يتميز بأهمية التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين الأديان.
وأضاف أن العائلات ما زالت تعيش ألم الفقدان، لكنها محاطة بمحبة المجتمع الأردني بأسره، مسلمين ومسيحيين، وبمشاعر الأخوة والقرب الإنساني، مؤكدًا استمرار الصلاة من أجل راحة نفوس الضحايا وشفاء المصابين وتعزية عائلاتهم.
الحضور المسيحي لن يتزعزع
وردًا على سؤال بشأن ما إذا كان الأردن ما زال يشكل ملاذًا آمنًا للمسيحيين في الشرق الأوسط، أكد الأب بدر أن الحضور المسيحي مندمج بعمق في المجتمع الأردني، وأن المملكة قدمت مبادرات بارزة في الحوار بين الأديان، وصلت إلى المستوى الدولي، ومنها الأسبوع العالمي للوئام بين الأديان.
وأوضح أنه لا يمكن القول إن المسيحيين في الأردن يعيشون اليوم في حالة خوف أو قلق عام، رغم الحزن العميق الذي خلفته المأساة وما أثارته من مشاعر القلق لدى بعض الأشخاص. وأشار إلى أن الكنائس كانت ممتلئة بالمؤمنين في الأحد الذي أعقب الاعتداء، مع انتشار أمني واسع حول دور العبادة، معتبرًا أن ذلك يعكس إرادة المسيحيين في مواصلة ممارسة إيمانهم رغم الألم.
وشدد على أن الحضور المسيحي في الأردن لن يتزعزع بسبب الاعتداء، وأن المسيحيين سيواصلون عيش إيمانهم والمساهمة في بناء المجتمع الأردني. ورأى أن نموذج العيش المشترك الأردني يمكن أن يشكل مصدر إلهام للعالم، معربًا عن ثقته بأن الأردن سيواصل مسيرته نحو الأمن والاستقرار والسلام.
الفقر والبطالة من أبرز التحديات
وعن التحديات اليومية التي تواجه المسيحيين في الأردن، أوضح الأب بدر أن المجتمع الأردني، شأنه شأن مجتمعات عربية وعالمية عديدة، يواجه مشكلتين أساسيتين هما الفقر والبطالة، مؤكدًا أن هذه الصعوبات لا تقتصر على المسيحيين، بل تطال مختلف مكونات المجتمع.
وأشار إلى مساهمة رجال الأعمال المسيحيين في الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل للمسيحيين والمسلمين، فضلًا عن دور المؤسسات الكنسية في التخفيف من البطالة، ولا سيما من خلال تشغيل المعلمين والمعلمات في المدارس.
وأضاف الأب بدر أن القلق بشأن المستقبل يشكل تحديًا آخر في ظل التوترات المستمرة وعدم الاستقرار السياسي في المنطقة، موضحًا أن الأردن يتأثر بتداعيات النزاعات الإقليمية حتى عندما لا يكون طرفًا مباشرًا فيها.
لا استقرار في المنطقة دون حل عادل للقضية الفلسطينية
وفي معرض حديثه عن التوترات الإقليمية، ولا سيما في فلسطين ولبنان، أكد مدير المركز الكاثوليكي أن الأردن ليس بمعزل عن الأحداث التي تعصف بالشرق الأوسط، وأن النزاعات تنعكس على أمنه واقتصاده وحياة مواطنيه.
وشدد على أن تحقيق استقرار سياسي حقيقي يتطلب استقرارًا إقليميًا شاملًا، إلى جانب التوصل إلى حل عادل ودائم ونهائي للقضية الفلسطينية. وأوضح أن حل القضية الفلسطينية ليس ضرورة لاستقرار المنطقة وحدها، بل يشكل أيضًا عنصرًا أساسيًا في تحقيق الاستقرار العالمي.
وأكد أن التجربة الأردنية في الحوار والعيش المشترك يمكن أن تلهم المجتمعات الأخرى في الشرق الأوسط، مشددًا على أن التنوع الديني ليس تهديدًا، بل ثروة إنسانية وحضارية ينبغي الحفاظ عليها. ودعا إلى مواصلة بناء مجتمعات يستطيع فيها كل إنسان ممارسة إيمانه والمشاركة الكاملة في الحياة العامة، بصرف النظر عن انتمائه الديني.
المسيحيون سيبقون على أرضهم
وفي ختام المقابلة، تناول الأب بدر مستقبل الوجود المسيحي في الأردن، مشيرًا إلى أن عددًا من المسيحيين هاجروا إلى الولايات المتحدة وأستراليا وكندا، إلا أن المملكة لم تشهد، والحمد لله، موجات تهجير قسري للمسيحيين مماثلة لما حدث في بلدان أخرى في المنطقة.
واستحضر في هذا السياق أوضاع المسيحيين في فلسطين، حيث أسهمت الظروف المرتبطة بالاحتلال في هجرة أعداد منهم، وكذلك في العراق، حيث تسببت التنظيمات الإرهابية بمعاناة كبيرة خلال العقد الماضي. وأكد أن المسيحيين سيبقون في أرضهم، وسيواصلون بناء المستقبل في إطار شراكتهم التاريخية مع إخوانهم المسلمين.
وحذّر من أن اختفاء المسيحيين من المنطقة، أو تراجع حضورهم إلى مستويات ضئيلة للغاية، سيشكل خسارة كبيرة للغنى والتنوع اللذين يميزان المجتمعات العربية والشرق أوسطية. واستذكر ما أكده البابا بندكتس السادس عشر في إرشاده الرسولي “الكنيسة في الشرق الأوسط” بشأن أهمية الحضور المسيحي لهوية المنطقة وتاريخها.
وخلص الأب بدر إلى أن المسؤولية المشتركة تقتضي المحافظة على هذا الحضور، ومواصلة خدمة المجتمع بأسره، ونقل ثقافة العيش المشترك والحوار والسلام إلى الأجيال المقبلة.