احتفلت ابرشية الروم الملكيين الكاثوليك في صور بعيد الميلاد المجيد، وترأس راعي الابرشية المتروبوليت جورج اسكندر قداس العيد، عاونه الأبوان بشارة كتورة وريشار فرعون، بحضور حشد من المؤمنين.
وبعد القداس، القى عظة تناول فيها معاني العيد وقال: “نلتقي هذا الصباح لا لأنّ الروزنامة قالت إنّه عيد، بل لأنّ القلب، حين يتعب، يحتاج أن يُذكَّر بأنّ الله لم يتعب من الإنسان. يحتاج أن يسمع من جديد أنّ السماء لم تُغلق أبوابها في وجه الأرض، وأنّ الله لم يترك أبناءه يتخبّطون وحدهم في متاهات الخوف والضياع. نحن هنا لأنّ الله، منذ فجر التاريخ، يصرّ على أن يدخل قصّتنا، لا من بوّابة العظمة بل من فجوة الضعف، لا من أعلى الأبراج بل من حضن المغارة”.
اضاف: “إنّه لا يزور ليلنا فقط، بل يدخل نهارنا أيضًا. يولد في وضح اليوم، حيث تُرى الجراح بلا أقنعة، وتُسمَع الأسئلة بلا رتوش، وحيث يقف الإنسان أمام ذاته عاريًا من التبريرات. هناك، في قلب هذا النهار القاسي، يقرّر الله أن يولد، وكأنّه يقول لنا: أنا لا أخاف من حقيقتكم، ولا أتهرّب من أوجاعكم، ولا أطلب منكم أن تتجمّلوا لكي أقترب منكم. وكأنّ الكنيسة، على لسان بولس، تفسّر لنا ما نشعر به ولا نعرف كيف نسمّيه. هناك، في تلك النقطة بالتحديد، يولد الله”.
وتابع: “اليوم لا نحتفل بولادة طفل فقط، بل بولادة معنى جديد لحياتنا. نحتفل بأنّنا لسنا عبيدًا للظروف، ولا أسرى للأزمات، ولا أبناء المصادفة. نحن أبناء الآب، مدعوّون لنحيا بكرامة، لا بحسب ما يفرضه الواقع، بل بحسب ما يكشفه الميلاد: إنّ الإنسان أغلى من كلّ نظام، وأعمق من كلّ أزمة، وأقوى من كلّ خوف. والإنجيل يأخذنا إلى بيت لحم. ليس إلى عاصمةٍ مترفة، بل إلى قرية بالكاد تُذكَر، إلى هامش الجغرافيا والتاريخ. وكأنّ الله أراد أن يقول لنا إنّ الخلاص لا يبدأ من المراكز المضيئة، بل من الأطراف المنسيّة. من بيت لحم إلى صور، المسافة ليست في الجغرافيا، بل في الجراح التي تتشابه مهما اختلفت الأسماء. من هناك، من ذلك الهامش، يبدأ التغيير الحقيقي”.
وقال: “وهنا، في جنوبنا، نفهم هذا السرّ بعمق خاص. نحن أبناء قرى لا تدخل نشرات الأخبار إلّا حين تقع الكارثة، لكنّها محفوظة في ذاكرة الله. أماكن مليئة بالأسماء التي نعرفها واحدًا واحدًا، بالوجوه التي نتبادل معها الخبز والملح، بالذكريات التي لا تُختَصر، وبالدموع التي لا تُسجَّل في أي تقرير، بل تُحفَر في قلوب الأمهات والآباء”.
اضاف المتروبوليت اسكندر: “نحن في جنوبٍ تعوّد أن يُوصَف بالصمود. كلمةٌ نحملها بفخر، لكنّها، إن بقيت وحدها، تُصبح عبئًا أكثر ممّا هي عزاء. فالصمود يعني أن نبقى واقفين تحت العاصفة، أمّا الحياة فتعني أن نرفع رؤوسنا لنرى الشمس بعد العاصفة. فتُعلِّمنا لماذا نقف. نحن لا نريد فقط أن نحمي بيوتنا من السقوط، بل أن نفتح نوافذها للضوء. لا نريد فقط أن نعدّ الأيام التي مرّت بسلام، بل أن نثق بالأيام التي لم تأتِ بعد. نريد أن يزرع الفلّاح أرضه وهو مطمئنّ أنّ تعبه لن يضيع في فراغ الإهمال، وأن يغرس شجرة الزيتون وهو واثق أنّ أبناءه سيقطفون ثمرها لا أنّهم سيرثون خوفه، وأن يبحر صيّادُنا مع الفجر إلى البحر لا وهو يلتفت خلفه قلقًا، بل وهو واثق أنّ الموج مساحة رزق لا ساحة خطر، وأن يعود عند الغروب محمّلًا بالشباك والابتسامة، لا بالهمّ والسؤال”.
وشدد على “اننا نريد لأمّهاتنا أن يودّعن أولادهن إلى المدارس بقلوبٍ هادئة، لا بأدعية مرتبكة، وأن يعود الأولاد حاملين دفاترهم وأحلامهم، لا صُوَرَ الرعب التي لا مكان لها في ذاكرة الطفولة. نريد للمدرسة أن تكون باب مستقبل، لا ملجأً مؤقّتًا من المجهول، وأن يصبح صوت الجرس فيها نداء معرفة لا جرس إنذار”.
واشار الى ان “الصمود وحده يُبقي الإنسان على قيد الوجود، أمّا الحياة فتعطي هذا الوجود معنى. الصمود يحمي الجسد، لكنّ الحياة تُنقذ الروح. ونحن، أبناء هذا الجنوب، لا نرضى أن نُختَصر بكلمة نجاة، بل نطالب بحقّ الفرح، بحقّ التخطيط لغدٍ طبيعي، بحقّ أن نحيا كما خُلِق الإنسان ليحيا: بكرامة، وبطمأنينة، وبأحلامٍ لا تحتاج إلى اعتذار”.
وقال: “ومن هنا، من صور، أقولها بهدوء الراعي وأمانة المسؤول: نريد وطنًا يَصون أبناءَه، ويترجم وفاءَه لتضحياتهم بحماية الناس وبناء مستقبلٍ كريمٍ لأبنائهم. نريد دولةً لا تزور القرى في الانتخابات فقط، بل تشاركها همومها كلّ يوم، دولة تعرف أنّ الكرامة لا تُعلَّقْ على الجدران، بل تُصاغ في القرارات والسياسات التي تمسّ حياة البسطاء” .
وختم المتروبوليت اسكندر: “الميلاد يعلّمنا أنّ الله يبدأ من البيت الصغير، من الغرفة الضيّقة، من الأمّ التي تخبّئ دمعتها، ومن الأب الذي يسهر على همّ الغد. هناك يولد الله اليوم. ميلادُ الربّ ليس نهاية سنة، بل بداية مسيرة. ومن يسمح للطفل أن يولد فيه، يصير هو نفسه مذودًا صغيرًا للآخرين، وكلمة رجاء في زمن القسوة. افتحوا له باب القلب اليوم… وسيصنع من بيوتكم مغارات خلاص”.
اسكندر احتفل بقداس الميلاد في صور: الصمود وحده يُبقي الإنسان على قيد الوجود أمّا الحياة فتعطي الوجود معنى






