إزاء الأزمة التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية، لم يغب البعد الإنساني بشكل كامل، ويعود جانب كبير من الفضل في ذلك إلى الكنيسة، التي أعادت، من خلال مواقف واضحة ومبادرات ملموسة، التأكيد على عنصر لا غنى عنه عندما يتعلق الأمر بحياة الناس وحقوقهم، وهو الإنسان أولا.
في أعقاب وصول أعداد كبيرة من المهاجرين، عبّر الأب فرناندو ريدوندو بافون، مدير دائرة الهجرة في مجلس أساقفة إسبانيا، عن بالغ القلق إزاء كل ما يمكن أن يكون وراء هذه التحركات الجماعية، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة تقديم استجابات تستند إلى القانون وتأخذ في الاعتبار كرامة الإنسان. وقال بهذا الصدد: يجب ألا يكون المهاجرون موضوعاً للاستغلال السياسي. فالكرامة لا تعرف حدوداً، ولا يفقد الإنسان كرامته لمجرد أنه عبر حدوداً.
وقد تلت هذه المواقف تصريحات للكاهن الكولومبي الكاثوليكي كارلوس أندريس مينديز، المنتمي إلى جماعة السكالابريان، والذي يعمل منذ عامين في أبرشية قادس وسبتة. وقال مينديز لمجلة “فيتا نوفا” إن الاحترام الأساسي الذي يستحقه كل إنسان، بوصفه ابناً لله، هو حق غير قابل للتصرف، ولا يمكن حرمان أي شخص منه لأي سبب في العالم”.
وفي العاشر من آب أغسطس الجاري دعت كنيسة سبتة أيضاً إلى إقامة أمسية صلاة من أجل السلام. وقد وجه النائب الرسولي عن الأبرشية، المونسنيور فالديفيا، دعوة إلى جميع الرعايا لإقامة سهرة صلاة عشية عيد انتقال السيدة العذراء، استجابةً لمقترح البابا لاون الرابع عشر.
هذا ويعمل كارلوس أندريس مينديز في دار القديس أنطونيوس لاستقبال المهاجرين، وهو مركز للمساعدة يعرّف نفسه بأنه يد ممدودة وصديقة تستقبل الجميع كعائلة، من خلال المساعدة والتكوين والاندماج. كما وضعت أبرشية قادس وسبتة مرافقها الخاصة بالاستقبال تحت تصرف السلطات والمهاجرين، فيما خصصت رعايا مدينة سبتة التبرعات التي جُمعت خلال الاحتفالات والقداديس لدعم الأشخاص الذين وصلوا إلى المدينة ومرافقتهم.
ويقول الأب إنريكي بايو ماتا، الكاهن الكومبوني ومدير المجلة الإسبانية “موندو نيغرو” إن رد فعل الكنيسة مصدر فخر كبير. نحن نرى إخوة وأخوات قبل أن نرى المعاهدات والحدود. الأولوية هي النظر إلى الأشخاص الذين يعانون، وهذا أمر أهم بكثير من اتفاقية شنغن. ويشير الأب بايو ماتا إلى أن عدداً من المؤسسات الكاثوليكية تحرك فوراً لتقديم أقصى ما يمكن من إمكانات الاستقبال للأشخاص العائدين. وذكّر بأن العاملين في كاريتاس، والرهبان السكالابريان، والأبرشية بذلوا كل ما في وسعهم للمساعدة.
أما مركز القديس أنطونيوس، الذي يديره الآباء السكالابريان، فتبلغ طاقته الاستيعابية القصوى عشرة أشخاص، لكنه يستضيف حالياً أكثر من أربعين شخصاً. ويقول الأب بايو ماتا إن الكنيسة المحلية وضعت نفسها في خدمة الناس، من دون الدخول في القضايا السياسية، لكنها ركزت كل جهودها على الاستقبال. وهو العامل الإنساني الأهم. هذا وكان رئيس أساقفة طنجة قد شدد، في الخامس من آب أغسطس الجاري، على أن المهاجرين ليسوا موضوعاً للمساومة، وذلك في ظل التطورات المرتبطة بأزمة سبتة.
هذا ويبدو أن الوضع قد عاد إلى الهدوء في مدينة سبتة الإسبانية في وقت تؤكد فيه السلطات أن جميع الذين كانوا يحاولون الهجرة قد عادوا إلى المغرب، مع أن قضية الأشخاص الذين خاضوا هذه التجربة، والظروف التي دفعتهم إلى محاولة العبور، تبقى حاضرة بقوة. ومن بين عشرات الآلاف من المهاجرين الذين حاولوا دخول سبتة، يوجد عدد كبير جداً من القاصرين، وبعضهم لا يتجاوز عمره بضع سنوات فوق الطفولة.
مما لا شك فيه أن أحداث سبتة تُظهر بصورة واضحة إلى أي مدى يمكن استغلال احتياجات الشباب وأحلامهم في بلدان الجنوب العالمي، من خلال خلق توقعات وهمية وإثارة الرغبة في خوض مغامرات قد تنتهي إلى نتائج شديدة الخطورة، بل وقد تكون قاتلة.
عن هذا الموضوع تقول الصحفية سورايا أيبار لافو، المتعاونة مع مجلة “موندو نيغرو”، والتي تعمل في هذه الفترة في سبتة إنها التقت بالعديد من الفتيان في الأيام التي أعقبت وصول المهاجرين إلى سبتة وحتى اليوم، مضيفة أن بعضهم يبلغ من العمر ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاما، والبعض الآخر لا يتجاوز خمسة وعشرين عاماً. وتوضح الصحفية الإسبانية أنها لمست في عيون هؤلاء الشباب وفي كلماتهم الكثير من خيبة الأمل والغضب، لكنها تؤكد أن هذا الغضب لم يكن بسبب الطريقة التي عوملوا بها، إذ لم يشتكِ أي منهم من تعرضه لسوء المعاملة أو الانتهاكات، وإنما لأنهم تعرضوا للخداع، على حد قولها.
وفي الأسابيع التي سبقت محاولات العبور، كانت تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ورسائل وصور، كثير منها أُنشئ باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتقدم صورة مضللة تماماً عن أوروبا وعن الأوروبيين. هذا وتؤكد مصادر صحفية أنه لا يزال يوجد المئات من المهاجرين في سبتة بعضهم ينتظر دراسة طلبات اللجوء التي تقدموا بها. ومن بينهم عدد كبير من السودانيين، إضافة إلى فلسطينيين ويمنيين وسوريين ومغاربة.
أزمة سبتة. الكنيسة تدافع عن الحقوق: الكرامة لا تعرف حدوداً






